Showing posts with label هروب. Show all posts

عدوان


on ,

No comments

عدوان


لا أعلم من أين أتيت، وإلى أين سأذهب. أريد أن أهرب من كل شيء لا أعرفه ويعرفني، أريد أن أهرب من كل الكلمات التي قيلت وتُقال وسوف تُقال، أريد أن أُزيح همومها من على أكتافي، وأتحرر من قيود لا تنتهي. أريد أن أعدو.
أعدو حتى أنسى كل شيء حولي .. أعدو حتى ينساني كل شيء، ينساني الجميع، ويهرب مني كل شيء .. أعدو حتى تنقطع أنفاسي وأفقد القدرة على الحديث حتى أهدأ .. ولكنني لا أنتظر أن أهدأ.
أعدو لأتناسى، لأفرّ مما بداخلي، لأفرّ من أفكاري .. أعدو لكي لا يظنّ العالم أنّي أتكاسل يومًا عن النسيان، وأقبع في ذكريات الماضي .. أعدو لكي لا يظنّ العالم شيئًا ما، تبًا لهذا العالم الذي يظنّ أنه يعرف كل شيء.
أريد أن أعدو حتى يعجز الأكسجين عن الوصول إلى أفكاري، حتى أتوقف عن التفكير في كل شيء، حتى لا أكون .. أعدو حتى أصبح شتاتًا من الذكريات في الهواء اللامتناهي، حتى أكون في كل مكان وفي كل زمان، حتى أتحرر من أي قيد .. أعدو حتى أصبح أنا المكان والزمان، لأخلق مفهومًا جديدًا لن يستوعبه العقلاء. فما قيمة العقل؟ الجنون.
أعدو إلى أن أسبح في فضاء الكون، إلى أن تتلاشى المسافات وتنتهي الطرق على كوكبي .. فأعدو في الفضاء السحيق، وأظل أعدو  إلى اللانهاية.
ثم أفنى من الوجود بدون قيود أخرى، فقط بقيد العودة بنفس الروح إلى عالم آخر .. عالم لن أعرف عنه شيئًا إلا عند فنائي .. فأتلاشى في صمت .. وبنشوة لم أعهدها من قبل .. وبقلب صافٍ من كل ما هو قبيح في هذا العالم.
أتلاشى .. حتى يتلاشى العالم معي.
ولا أعدو بعدها ما حييت، أو ما متّ.

فأعلم حينئذٍ من أين أتيت.

ليست أحلام


on , , ,

1 comment

ليست أحلام

حدّثني عمّا لم تحلمُ به، حدّثني عن كل ما لم تحلُم به، عن الألوان التي تقبع في واقعك ولم تصل إلى أحلامك. عن الأشياء التي لم تحدث قط، و الأشياء التي ظلت في المنتصف عالقة بين عالمين، واقعٌ لامتناهٍ وأحلامٌ عنيدة. قل لي إنك حلّقت في السماء من حولي لتصل إليّ برسالة فيها ما ينقذني مما أنا فيه، مما نحن فيه، ولكنك لم تفعل.
أو ربما يمكنك أن تحكِ لي عن الأشياء التي لطالما أردت أن تسكن أحلامك ولكن خيالك لم يصل إليها أو لم يكن بالقوة والشجاعة الكافيين لأخذها معه. وقد تكون أحلامك الهزيلة التافهة تملأ ساعات نومك ولم يعُد هناك متّسع للأحلام العريضة.
قل لي إن ما أنت عليه في الواقع ليس هو ما أنت عليه في أحلامك، علّ أحلامنا يومًا ما تتزامن في نفس اللحظة ونلتقي أخيرًا في المنام، نلتقي شخصان آخران، لا أنت أنت ولا أنا أنا. وفي أحلامنا قد نجلس نحن الاثنين في مكانٍ ما بين أفكارك وفوضى الكلمات في أحلامي، مكانٍ قد نقع فيه في صمتٍ لا نهاية له ودون حاجة لأي نظرة أو كلمة أو لمسة من أيٍ منّا.
حدّثني عمّا لم تحلم به، عن كل تلك الأشياء التي تقع بين الواقع والخيال، بين الحلم والحقيقة، في زمانٍ ومكانٍ موازيين، قد لا تحدث أبدًا وقد تحدث الآن وفي هذه اللحظة، من يدري. حدّثني عن الأشياء التي طالما أردتها بشدة ولكن لم ترها حتى في أحلامك، عن كلّ ما أردته ولم تقاتل من أجله عندما منعك جبنك. حدّثني عن كل انكماشة في جسدك وكل لحظة هروب في داخلك، هروب من الحياة، انكماش من المجهول. رهبة من المجازفة. مجازفة في الصمت. مكوث عند حافة المستحيل.

حدّثني عن كل شيء.


English version: Undreaming

هستيريا صمت


on , ,

2 comments

هستيريا صمت

تملكتني رغبة عارمة لامتناهية في الصمت، وانهالت عليّ كما لو كانت جبلًا من الجليد فوق رأسي أو بداخلي، وتركت كل كلمة تعلمتها تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت هذه الرغبة ثم تلقى مصرعها في غضون ثوانٍ معدودة.
سُئلت عمّن أكون فسكتّ، تارة لأنني لم أعرف حقًا وتارة أخرى لأنني لم أجد الكلمات في رأسي. ثم سُئلت من أين أتيتُ وإلى أين أشقُّ طريقي، فلم أعرف ماذا أجيب، وكأن أحدًا ما خاط شفتاي ليمنعني عن الكلام. ولكنني بالفعل لم أرِد أن أتكلم. سألوني عن اسمي وعن وطني وعن عائلتي ومأواي. لم أنطق. لم أتحدث. جُنّ جنونهم لهذا، ولكنني التزمت بهدوئي أمامهم. اتلزمت بصمتي كما لو كنتُ قطعتُ وعدًا لا يمكن أن يُخلف.
هذه المرة ظنّوا أنني أنا المجنون. أخذوا يتغامزون ويتحدثون عنّي على مرأى مني وأحيانًا أمامي مباشرةً، يحسبون أنني أصبحت لا أسمع، أو أنني لن أنطق مجددًا أبدًا.
(ربما كانوا على حق أو ربما تنبؤوا بمستقبلي)
أصغيتُ لهم ولكل كلمة قيلت عنّي. سمعتهم يستهزؤون بي وبكلماتي في الماضي، والتي أصبحت الآن في عداد النسيان. رأيت كلّ شيء وسمعت كل شيء ولم تضعف شفتاي للنطق بكلمة واحدة ورد استهزائهم باستهزاء آخر. ثم بدأت أستمع لهم وأستمتع بما يقولونه، وبدا صمتي أمامهم بالتحديد هو استهزائي بهم وبغفلتهم. نسوا أنني فقدت قدرة ما على الحديث وليس على الإنصات. ونسوا أنني لم أفقدها بالتحديد بل كانت رغبة قوية مني بعد أن انتابتني هستيريا من الكلمات في لحظة ما من يومٍ مشؤوم. نسوا كل شيء. ولكنني لم أنسَ.
سمعت منهم كل ما يخطر ببال ولم أتحدث، سمعت منهم القيل والقال بينما بدأت خيوط أفكاري تتمزق كما تمزقت معها الخيوط بين شفتيّ أيضًا. شعرتُ أن كلماتهم تتخلل الفراغات بين شفتيّ لتُحدثَ ثقوبًا داخلي دون أن أنبس ببنت شفة ودون أن أتفاعل بأي شكلٍ من الأشكال أو كلمة من الكلمات.
تحدثوا حتى أرهقتني كلماتهم، وكأنني كنت أنا المتحدث طيلة هذا الوقت. تحدثوا وكأن حديثي سابقًا كان يردعهم عن النطق بأي كلمات غير كلماتي، مستعيرين بهذا بكل لفظة ألفظها في كلماتهم، ومتجاهلين وجود صمتٍ قد يسحق كل هذه الكلمات في لحظة إن أراد.
وانتابتني هستيريا. نوعٌ آخر من الهستيريا هذه المرة. لم أُرِد أن أتحدث مطلقًا. صمتُّ حتى كاد الصمت يشكو من صمتي وتوسل إليّ كي أذيب ذلك الجبل الجليدي فوق كلماتي. صمتُّ حتى لم أعُد أعلم لمَ كنت أتحدث من قبل ولِم اعتدتُ أن أقْحِم كلماتٍ عديدة في حديثي لم يكن لها أي معنى إلا أنها كانت مجرد ملء لفراغات بين الدقيقة والأخرى. صمتُّ حتى لم أعُد أريد أن أتعلم كلمة أخرى، وكأنني اكتفيت بمعجم الكلمات في ذاكرتي ولا أريد أن يشوبه أي لفظ قبيح من ألفاظهم وألفاظٍ جديدة لن تروق لي.
صمتُّ حتى أدركتُ الفرق بين حديث الظالم وصمت المظلوم.

ثمّ قررت أن أصمت للأبد.

طمس الحقيقة


on , , , ,

No comments

طمس الحقيقة

أحببت ذلك الوقت من اليوم، من الصباح. ساعة ما بعد موت يومٍ وحياةُ يومٍ آخر. يومٌ جديد لم تتّضح معالِمهُ بعد. اعتدتُ دائمًا أن أرقُب تلك البداية، كيف ينزوي ظلامٌ حالك ويبهت لونُ السماء ثم يصير شاحبًا حتى يتلاشى بالكامل، فيظهر بين ذلك الشحوب وبزوغ الشمس لونٌ ثالث. تحسّ أنك في عالمٍ موازٍ للحظة، ثم تعود إلى الواقع.
توّد أن تظل هناك حتى وقتٍ غير معلوم، كما لو كنتَ بين الموت والحياة، لأنه التوقيت الوحيد الذي تُصنع فيه القرارات المصيرية التي تُغيّر مجرى كونك وكينونتك.
جلست هناك، على تلك الصخرة حيث يمكنني رؤية أشعة الشمس لحظة بزوغها وحيث أستطيع أن أسحب نفسي من أي عالمٍ أنا فيه وأذهب إلى عالمٍ آخر بملء إرادتي. عالمٌ انتظرت لحظة إعادة إحيائي فيه منذ زمن.
وبدأت أكتب..
كتبتُك في أول الصفحة عُنوانًا بخط النسخ. ثم توقّفت.
مسحتُ ما كتبته. ترددت لحظة ثم مزّقت الورقة ووضعتها بجانبي. بدأتُ من جديد.
كتبتُك لا اسمًا ولكن حرفًا بخطٍ عشوائي في منتصف أعلى الصفحة. عين.
ثم من أول السطر،
"هذه ليست قصة داخل قصة، فكّر ما شئت، المهم أن تترك للواقع شيئًا ما، فلكل قصة مساحة في الواقع كمساحتها في الخيال.
اخترت أن أضعك في كلماتٍ لأن الذاكرة قد لا تسعف مع الوقت، ولأن العُمر قد يُنسي والقلبُ قد ينسى ولكنّ شيئًا ما لا ينكسر. ذلك الشعور بأن الراحلين موجودون في مكانٍ ما على هذه الأرض، في هذه المدينة أو في مدنٍ أخرى لا تعلم لها اسمًا ولا تدرك لها مكانًا على الخارطة.
أردتُ أن أكتُبك حتى تمكث قليلًا في مكانٍ ما، لأنك دائم الترحال حتى وأنت هُنا.
كتبتُك بألوانٍ كثيرة. وبأشعارٍ ليس لها عدد. كتبتُك من أول القصة، قصّتنا. وعرفتُ أن من يقرأها سيظنّ أنها قصة حبٍ لم تتكرر من قبل. ثم مزّقتُ كل شيء وبدأتُ من جديد، لعلمي أن الناس لا يدركون من الحب إلا ما بين رجلٍ وامرأة. نسوا أن الحُب لا يُحدّد بإطار كهذا. نسوا فمزّقتُ أنا أوراقي لأذكرهم.
ينسى الناس فيذكرهم من ينسون أيضًا، من يكتبون لكي لا تخدعهم الذاكرة. مثلي
كتبتُك كما لو كنتَ ذلك الليل الحالك، ذلك الظلام الذي يجب أن يظهر  بعد تلاشي أشعة الشمس وظهور ليلة قمرية بها القليل من السُحب التي تترنّح بجانب ضوء القمر. ثُم رأيتُك في كلماتي يزداد اللون فيك قتامة ويزداد الألم حِدّة فتوقّفت.
لم أجرؤ على الاستمرار وأنت تزداد حُزنًا في قصتي.
ولكنني آمنتُ أن للطريق نهاية. فعُدت إلى حبري الأسود لأُكمِل ما بدأته.
أتردد كثيرًا ثم أعود. أكتُبك بلونٍ آخر لعلّ الليل يتحوّل إلى نهار، أو إلى شفقٍ برتقالي اللون مائلٌ إلى الحياة. أغيّر القلم على أملٍ لا جدوى منه أن يتغيّر  لونُك مع كتابتي. إلا أنك تظلّ كما أنت. تظلّ كما عرفتك وجهًا لوجه. لك شخصية حادّة صارمة لا يغيّرها لا لون قلم ولا قصّة خيالية ذات أبعاد تلاشت في الواقع.
فاستسلمت لك في قصّتي. تركتُ كلّ شيء في واقعي واختبأتُ بين كلماتي لأصل إليك كما أنت. ولأتخلص من هذا العالم الواقعي وأمكث في قصة قد لا تنتهي أبدًا. لا لأنني أريد العيش للأبد، ولكن لأنني أريد الموت في قصة. ميتة غير عادية، غير واقعية. ميتة تقتل بغموضها.
تركت حبري وقلمي وغرقت داخل أوراقي. تركت كلّ شيء لتحرّكه الرياح. وتبدأ قصتنا من جديد من حيث لا أدري.
لتكتبها أنت بألوانك، وأنسى أنا من أنا."


بداية الموت


on , , , ,

No comments


بداية الموت


فلنبدأ القصة من النهاية. من الوراء.
لنبدأ من الموت إذًا.
ذلك الشيء الغامض الذي نحاول اختراع جميع آلات الزمن من أجله، من أجل اكتشاف لغزه وحلّ طلاسمه. ونتعامل معه فقط كلغزٍ آخر من ألغاز الحياة التي يجب علينا اكتشافها، لا كشيء مبهم لن يُكتب لنا معرفته إلا إذا أخذَنا إليه بوعدٍ نقطعه بعدم العودة، شئنا أم أبيْنا.
لنبدأ القصة من الداخل. من تلك الآلام الحادة التي تتخلل الجسد المهترئ الهزيل الذي لا يقوى على قتالها ومقاومتها. يستسلم لها بملء إرادته وبدون إصرار. بسلام الأرض التي تخلو من الحياة.
ذلك الجسد الذي خانته الذاكرة ووهن العظم منه فعجز عن الحراك ثم سقط على فراش يشبه فراش الموت، ولكنه ليس فراش الموت بعد. هناك متّسع من الوقت ليصارع تلك الذاكرة. هناك بصيص من الأمل أن تأتيه لحظة من الماضي بكامل أبعادها وشخصياتها فيتسنّى له أن يبتسم ابتسامة أخيرة لن تكون جزءً من الحاضر، فقط فتاتًا من الماضي الذي سيكون هو الآخر جزءً منه قريبًا.
ذلك الجسد الذي اشتعل فيه الرأس شيبًا وهو يمضي ليبحث عن وجوه باتت في عداد النسيان. عن وجوه ملأت قلبه بالحياة في أحلك لحظات الموت. عن وجوهٍ كانت بها من كلمات عجزت البشرية عن تجميعها في قواميس لاستخدامها لمن هم في أمسّ الحاجة إليها مثله، لهؤلاء الذين سيحتاجونها ولن يشعر بهم أحد.
ثم لنذهبّ بالذاكرة إلى أبعد من ذلك بقليل. لنذهب إلى حيث تتّضح الرؤية قليلًا ويمكن للشفاه أن تتحرك لتقول كلمات معدودة كـ"كم هي قصيرة أعمارنا، وكم هو قاسٍ هذا الموت الذي دائمًا ما نظنّه بعيدًا خطوتين عنّا لنتظاهر بأننا قادرين على الاستعداد له، ولا يزال لدينا متّسع من الوقت لتصحيح أخطائنا".
لنذهب إلى حيث لا يزال لدينا متّسع من الوقت بينما نحن على غير وعيٍ به، إلى حيث تأتينا الفرصة وراء الأخرى ونتركها تكاسلًا أو تعمّدًا بينما تتردد "ليس الآن" على لساننا بشكلٍ اعتدناه حتى أصبحنا نلفظه تلقائيًا وبلا وعي منّا. فننسى فكرة الموت وننسى أن هدف الحياة ليس الحياة ولكن ما يتجاوزها.
ثم لننتقل إلى نقطة التحوّل في حياتنا. تلك النقطة التي تستقر عند لقاء الحبيب أو عند العثور على حلم يتكوّن في الواقع فيفضي علينا بسعادة لم نعهدها من قبل. فتتحول ألوان الحياة إلى درجات لم تكن موجودة من قبل أو لم تلحظها العين الحزينة والروح المعتمة. ويخيّل لنا أن شمس الصباح التي تخترق زجاج نوافذنا قد انقسمت وافترقت إلى شموس صغيرة تضيء جميع الأماكن المعتمة على هذه الأرض.
لنعُدْ بالزمن إلى الوراء أكثر. إلى أيام الشباب والرعونة. إلى حيث تكبر أمامنا الأحلام التي لا زالت صعبة المنال، وتتهالك الأفكار البسيطة الـ"ـعادية" وتُستبدل بأفكار مجنونة طائشة ولكنها مفعمة بالحياة. أفكار تصنع من صاحبها مخبولًا يريد أن يحتلّ العالم ليسيطر عليه بمعتقداتٍ يملؤها الفنّ، ذلك الفن الذي يصل بصاحبه إلى حافة الجنون.
وبعدُ فلنرتحل إلى عالمٍ مليء بألوان الطفولة. بكلمات ليس لها معنى ولكنها تحمل صدقًا ينساه العالم مع تقدّم العمر، ويتناساه الشيوخ إذ هرِموا وماتت لديهم معانٍ كثيرة لم تعُد تُشكّل الحياة. لننزلق من هذا الواقع المؤلم ونعود بالذاكرة إلى حيث تُسعفنا الذاكرة. إلى حيث نستمع إلى عبارات عفوية وبكاء أقسى أسبابه إضاعة لعبة الطفولة المفضلة.
لننسحِب من هذا العالم بهدوء الرضيع على صدر أمه، أو بهدوء الجنين في بطنها. لننسحب دون أن يشعر بنا أحد ودون أن تنهال الدموع على قبورنا. لنمضي في سلام قبل أن نزعج الأحياء الذين يصارعون حتى لا يرحلوا يوميًا معنا وهم يتنفسون نفس الهواء الذي تنفسناه ويمشون في الشوارع ذاتها التي مضينا فيها.
لننسحب كالأطفال على فراش الموتى. لننسلّ إلى ذلك العالم الآخر أطفالًا في أجساد شيوخ.
ولكن لنترك قليلًا من الذاكرة لهذا العالم الكئيب.

لنترك قصة تنتهي من مستهلّها.

وصية الهرب


on , ,

No comments

وصية الهرب


ولدي،
قد تتعجب من كتابتي لهذي الوصايا، واحدة تلو الأخرى بأسلوب فيه من الإسهاب ما قد يملأك بالضجر والملل. ولكن الكلمات تُنسى والأفعال تُنسى وحتى الوعود تُنسى وتقتلعها الحياة من جذورها.
أريد منك يا ولدي أن تهرب كلما عجزت روحك عن التعايش مع كآبة الدنيا، اهرب من كل شيء في شيء واحد. اهرب من الحزن والبغض وخيبة الأمل والخذلان. اهرب من الأفكار المخيفة والأحلام المؤرقة. اهرب من نفسك.
اهرب إلى كاتبك المفضل، إلى كتابك المفضل، إلى كلماتٍ لم تستطع كتابتها فكتبها لك شخصٌ آخر في مكانٍ آخر في هذا العالم. شخص قد لا تجمعك به الأقدار وقد لا تعرفه معرفة شخصية طالما حييت ولكن تربطك به صداقة افتراضية غريبة داخل كلماته وعباراته التي عرف بها أن يتقرب إليك بشكلٍ لم يتمكن منه أحد.
اقرأ الكلمات بعناية، واقرأ الصفحات بتأنٍ شديد كما لو كنت تتحدث مع نفسك لحلّ مشكلة ما. اقرأ يا ولدي حتى تنسى كما ينسى السكير أحزانه بالخمر. قرّب الكتاب من وجهك واسمح لنفسك بتنفس رائحة صفحاته التي لن يتمتع بعبيرها إلا من يغرق في الكلمات ويستمتع بهذا الإحساس بالابتلاع السحيق. اسمح للكتب أن تبتلعك لتدخل في كلماتها وتتقمص الشخصيات داخلها وتنسى من أنت أو تتناسى فتنسى كينونتك وأي وجهة أنت موليها.
عش شخصيتك المفضلة من رواية قريبة إلى قلبك، عشها في واقعك، خذ شيئًا من الخيال وافرضه على الواقع حتى يهيأ للعالم من حولك أنها شخصية حقيقية مدفونة في مكانٍ ما وقد قررتَ أنت إعادة إحيائها من تلقاء نفسك. اخدع الناس الخداع الجميل الذي ينسيهم الواقع أو يشتّتهم بين واقعٍ كئيب وخيال ساحر فيختاروا الخيال علّه يصبح واقعًا ينسيهم حزنًا ما أو يأخذ بأيديهم هربًا من عاصفة ما.
ثم انثر كلمات الكتاب في الاتجاهات الأربعة لترى كلماتٍ وصفحات في شرقك مع طلوع الشمس وترى فصلًا آخر من الرواية مع غروبها، ثم وأنت تسير في الطرقات التي لا تعرفها لتخفف من وطئة الغربة وتكون لك صاحبًا لا يملّ من أحاديثك اليومية.
اهرب يا ولدي من كلماتك إلى كلمات غيرك، فهي أفضل وسيلة للتخفيف عن هموم الدنيا، ولكن القلة، مع الأسف، يدركون هذا. فدعهم يستهزئون. دعهم يضحكون مما تعيش فيه من خيالات. ثم اتركهم في حيرة من واقع كئيب لا هروب منه.
فستضحك ويبكون.

ثم تقرأ مجددًا.