Showing posts with label Arabic. Show all posts

يقظة أحلام


on , ,

No comments

يقظة أحلام

أن تقابل من يذكرك بمكانك المفضل، من يشبه عطره رائحة البحر في ليلة ربيع مُعبأة بالنجوم في طياتها وسماواتها. أن تجلس مع من يتحدث بعبارات ترسُم في أفكارك رواية من روايات كاتبك المفضل، وهو يتحدث دون علمٍ بهذا التنويم المغناطيسي الذي يهبط عليك فجأة، فتصبح كأن الكلمات كانت لك كالخمر التي أفرطت في احتسائها ثم ضللت الطريق إلى نفسك. أن تنظر إلى من يُذكرك وجهه بجمال القهوة التركية التي تبعث رائحتها بإحساس أنك في عالم لا هو هنا ولا هو هناك. أن تتأمل صمت شخصٍ تُحبّ وإذا بصمته يتحوّل إلى كمانٍ في يدِ طفلٍ في العاشرة من عمره، فتتحول كل إيماءة صامتة أو نظرة ساكنة إلى نغمة تُعزفُ بإصبعٍ من أصابع هذا الطفل الذي لا تعلم حتى من أين أتى وإلى أين سيمضي. أن تتأمل تلطُخ وجه طفل فقير فيتحوّل هذا اللون القاتم على بشرته إلى فرحٍ لا تسعُه أرض يقتلها شقاء شعوبها. أن تسمع كلمات طفلٍ عن عالمه فإذا بك ترسم لوحة بها من الألوان ما لا تتحمله نظرة البائس الشقي. أن تتحوّلُ نظرة حبيبك إلى قصائد لن يستطيع العالم أجمع تنظيمها وإلقائها، فتتحولُ أنت كالمسحور الذي لا يدري أهذا جنونٌ أم عقلانية، أم كما قال كاتبك المفضل "هو عقلنةُ الجنون".  أن تستيقظ في صباحك بواقعٍ تحسبه من خيالات أحلام اليقظة وإذا به كان واقعًا في أحلامك وتحقق في واقعك. أن تهبط هذه الأحاسيس جميعها في يومٍ كنت فيه في أمسّ الحاجة إلى بعضٍ من الحياة النقية الصافية، فإذا بها من فرط حدّتها تقتلك قتلة سرمدية تصبح فيها الميّت الحي.
ولكنك تشعر، رغم كل هذا، بأنها أفضل من موتٍ في حياة بلا حياة.



استحقاق


on , , , ,

No comments

استحقاق

إن لم أكن أنت، لا تتركني إليّ. أعطني نفحة من روح فقير، أو روح مريض، أو روح ذليل، لكن لا تتركني لكبريائي. لا تتركني لغطرستي وتصرفاتي التي لا أفهم كنهها ولا معناها وأبيت في تساؤلات تظل معي أعوامًا وليالٍ لا تنتهي دون أن أحصل على إجابات دافئة؛ جميع إجاباتي باردة أو خالية من التعسف والتأنيب. جلّ ما آخذه هو تربيتٌ على الكتفين أو على الظهر من نفسٍ تعجز عن نفض غبار النرجسية عن كتفيها بل تربت عليه ليمكث أكبر وقتٍ ممكن. ثم أنظر إلى من هم حولي فأرى كلماتهم التي قيلت عني من قبل ثم لم تفلح الأنا داخلي في نسيانها، وعجز قلبي عن الانصياع لها قبل أن يتوانى ويكسره الفتور ثم يتركه في أحشائي متريّثاً مترقبًا لحظة قد لا تأتي ما حييت. ويعجزني تساؤل أستمر في ترديده في أفكاري في ليلة ما .. أيقتلني الغرور؟ أيقتلني في منامي مثلًا بعد أن أكون قد استنزفت أفكارًا أحاول بها العودة إلى المسار القديم الذي ملأتهُ الحياة بالممات بعد انحرافٍ مني إليّ بالشكل الذي آل بي إلى الوصول إلى ما أنا فيه؟ أيقتلني في تلك اللحظة الأخيرة التي أحاول فيها العدول عن نسيان أو تناسي أو تجاهل أفكارٍ يخسفها التكبر فأصبح، أو يُخيّل إليّ في آخر نفحة هواء أستنشقها، أنني نجوت بفكرة أو بلحظة؟

أأموت شهيدة فكرة لا أستحقها؟

انتفاء روح واغتراب جسد


on , , ,

No comments

انتفاء روح واغتراب جسد



تنفيني نفسي من الداخل، فأسافر منها لأعود كما لو كان لي وطن أحن إليه فأعود شخصًا آخر. ثم تنفيني مرة أخرى وأعود فتعيد الكرّة مرارًا وتكرارًا حتى يُخيّل إليّ أنني لن أصبح من تريده ولن نتفق مدى الحياة، وربما نتفق لحظة الموت الأخيرة فقط فتكون كافية لحل هذا الصراع بهدوءٍ أخير قبل سكون أبديّ. وقد نلتقي في مفترق الطرق فيفضل كل منا استكمال مسيرته وحده، فإن الوحدة تشفي أحيانًا، أو يُخيّل لنا هذا. ويقول كلٌ منا لنفسه ألا تحزن فإن الله معها. وأحيانًا قد نسلك نفس الدرب ونمشي الهوينا أو يزيد واحد منا من سرعة خطواته حتى لا يلحقه الآخر وحتى لانلقتي أبدًا. ثم إذا تساوت سرعاتنا لا يدور بيننا حديث واحد ويطبق كلانا بالصمت كما الغريب بين أربعة جدران بينما يسود الغربة والرهبة والتحفز هواء الغرفة. المهم أننا لا نلتقي، والأهم أننا لا نتفق. والمهم أيضًا أن يعيش كلانا بحثًا عن الآخر بينما هو يسير بجانبه ولكن التظاهر أعمى والتضليل أعمى والكذب أعمى والخداع أعمى وفقر النفس أعمى. ولكن العمر كله أعمى

غُربة


on , ,

No comments

غُربة

الشوقُ غربة، والخوفُ غُربة، والصمتُ غُربة، والوِحدةُ غُربة، واليأسُ غُربة، والعجْزُ غربة، والكذبُ غُربة .. 


والطُمأنينة وطنٌ ليس له وجود.


تذبذُب


on , , , ,

No comments

تذبذُب 




كتبتُ لصديقٍ في صباح خريفي مرة :
إليك وإليك فقط، يأتي الخريف ولا أستطيع إلا أن أتذكر أيامنا، عندما كُنت مبعث بهجتي ولوحة ألوان الطيف في عالمي الداخلي، في روحي، أتذكر ألوانك المجنونة وألوانك الرقيقة كل الرقة، ألوان روحك التي لوّنت بها روحي في عالم كان ينظر إلينا بأعينٍ لا لون ولا طعم ولا مزاج لها. ولكنني الآن أكتب بلوني الحياة والموت، فقد ماتت الألوان من بعد شحوب ألواننا معًا وبعد أن تغيّر كِلانا لشخص لا يستطيع هو نفسه أن يفهمه.
بعد رحيلك ورحيلي، بعد رحيلنا معًا تشكّلتْ في أعماقي نفسان لا أعرف أيًا منهما؛ بحثتُ في بادئ الأمر وأنا على يقين أن البحث الداخلي لا بُد أن يأتي بنتيجة ما ولو كانت سيئة وقبيحة. ولكنّي لم أجد لا هذا ولا ذاك. بحثتُ حتّى ذبُلت أطراف مشاعري كما لو كانت كأصابع أنهكها النبش في التراب. وعدتُ بعينين لا لون لهما بعد أن فشلت في العثور على لونٍ من ألواننا، لون طيفٍ من أطيافنا، لونٌ واحد. وجدتُ أنّي مليئة بالمعارك التي تدور بين إنسان وآخر، وأنا الثالث الذي هو ليس إلا أرض المعركة. وجدتني أغضب في أوقات حتى أصل إلى الحِنق بدون عُذر أختلقه أو مبرر يصلح، ثُم وجدتني في أحيانٍ أخرى هادئة كرياح الصيف التي تكاد تكون غير موجودة. وجدتُ أنني أستيقظ وعلى قلبي هموم وأحزان الدنيا التي أتت وتأتي بدون سابق إنذار وتُلقى عليّ كما لو كانت تقول لي "صباح الخير؟" ثم تضحك وتستطرد "لن تناليها" وعلى هذا أمضي بقية يومي الذي أتمنى أن ينتهي، فقط لأستيقظ في الصباح التالي بتفاؤل لا أعلم ماهيته ولا أعلم أسبابه حتى أنني أظنّ أنه لا يليق بي سعادة كهذه فأحاول العودة إلى الأمس ولكنني أحاول إقناع نفسي (أية نفسٍ منهما) أنني ربما أعاني من حالة تغيّر فجائي في شخصيتي فأتركني اليوم وأنتظر غدًا آخر. وأظل على هذا الحال يا صاحبي حتى يبتلعني الإرهاق والذبول ويكاد يُهيّأ لي أنني أعيش حالة أبدية من "انتظار الغد" ونسيان ما فيَ الآن.
أرهقني التذبذب يا صديقي، يقتلني هذا الإحساس الذي جاء بدون سابق إنذار أو تحذير. أكاد أجزم أنني أموت وأحيا على شخص آخر بشكل يومي: يقتلني شخصي الحزين ويجني عليّ شخصي الفرِح بالجنون البطيء. ألا يوجد زرٌ ما يعطيك مفرًا من واحدٍ منهما؟ ألا يوجد شيء ما، أي شيء، يحميك من استيقاظة الصباح التي كانت ساعتي المفضلة من اليوم، ببهجتها ودفئها وشمسها، ويسحبني من هذا التذبذب الذي سبب لي صداعًا قاتلًا لا يتركني يومًا.
أهي دوامة التذبذب التي تبتلعني داخلها أم هي ألوانٌ فقدتها في حياتي بعدك أحيَت كل كابوس يمكنه أن يسحبني للداخل ويقسمني نصفين لا أعرف كلاهما؟ أم هو رحيلك عنّي؟

هل لي أن أرى أطيافنا مرة أخرى؟ أم أنني قد أراك في هذه الدوامة يومًا ما ويعلم الله من سيلوّن الآخر مرة أخرى؟

اعترافات


on , , ,

No comments


اعترافات



تبدأ ليلتك بفتح جهازك الخاص والذي بات يحوي جميع أسرار حياتك منذ أول فكرة تفكر فيها صباحًا وحتى آخر أغنية تدندنها مساءً في طرقات منزلك وفي لحظات مختلفة من مزاجك. وبدلًا من أن تذهب إلى ورقة وقلم وتكتب اعترافاتك لنفسك، تأتي هنا وعلى هذه الصفحات القتيلة والتي ليس لها أي ملمس ناعم تحت يديك يعطيك دفئًا تحتاجه للبوح بما تهرّبت من قوله لنفسك لأيام أو أسابيع، أو ربما شهور. الهروب سهل والكسل أسهل.

تبدأ أصابعك في تحسس ملمس الحروف، وتنسى أنه لا ملمس لهذي أيضًا، فتبدأ بالكتابة آملًا أن تكون الكلمات رحيمة على مسامعك بعد سكبها على الورق بقصد أو بدون قصد.. ثم تبدأ اعترافاتك –

ينهال عليك وابل من الصواعق التي تفاجئك بأنك ككل من قابلتهم في حياتك واستخففت بهم. تكتشف أنك لا تنتمي للأشخاص المميزين بشيء ولا تمُت لهم بصِلة بل أنك أقل من العادي. تصبّ أفكارك على الورق فإذا بها كأفكار من يجلس بجانبك على مقعد الحافلة التي تقلّك إلى عملك في الصباح الباكر وأنت منهك من نوم البارحة، أو تذهب بك إلى منزلك قبل أن تسير مسافة عشرة دقائق لتصل إليه بعد أن تهبط بكامل جسدك في شوارع تتمنى أن تهرب منها ومن ضجيج أفكار المارة سواءً كانت أفكارًا منطوقة أم أفكارًا قمِعت للداخل. وتصعد سلّم منزلك بأفكار تركها غيرك على كل درجة من السلّم لتستلمها وفي ذهنك أنك خارق العادة بهذه التخيلات. ثم تضع مفتاح الباب في مكانه وتتحول لشخص آخر داخل سجن آخر خارج أعماقك، فأنت الآن في سجنين، بل ثلاثة، سجنك الداخلي الخاص ثم سجنك في شوارع مدينتك وسجنك داخل منزلك. تتحول إلى إنسان لا تعرفه حتى إنك تعجز عن التعرف على نفسك، تسقط على إنسانيتك ما يسحقها ثم يحوّلك إلى نوبة مخيفة من الغضب والحنق الذي لا تستطيع التعرف عليه وتبدأ في الشجار بسبب أو بدون سبب مع فرد من الأسرة، أي فرد، المهم أنه يجب أن يكون هناك شجار يحرر كبتك طوال اليوم في المعركة اليومية.. ولكن ليت هذا أيضًا يعطيك لحافًا من الطمأنينة ليلًا. حيث تأتي الحلقة الليلية المعتادة من إعصار اللومات وتأنيب الضمير ومحاسبة النفس، ولمَ لا، فوجود عقلك ليحاسبها هو فقط ما يبقيك على حافة الجنون، فقط هو. وتأتي الحقائق الواحدة تلو الأخرى لتعطيك جرعة من نوع "أنت عادي" أو "ما أنت إلا كذبة كأكاذيب الزمان". تبدأ في إحصاء أكاذيبك اليومية حتى تنسى العدد الصحيح وتنسى إذا كنت صادقًا في تلك العبارة أم أنك كنت ترضي بها نقاشًا لا فائدة منه أو تحاول متعاطفًا مع مُحدّثك في الطرف الآخر، إلا أنه كذب من قال إن الكذب أنواع.

أظنّ أن الثلاثين دقيقة قبل نومك هي الدقائق الوحيدة الخالصة المخلصة النقية الصافية من أية نوايا سيئة أو رياء أو شفقة أو أي فكرة مريضة من هذه الأفكار. كما أعتقد أنها الوحيدة التي قد تخرجك من يوم سيء لترحبا معًا بيوم قد يبدأ بالنوايا الحسنة أو بمحاولة واحدة بائسة لأن تكون إنسانًا أفضل مع نفسك ومع الآخرين، ومع ربّك قبل أي من هذين الاثنين.
ولكنني أؤمن كل الإيمان أن الظنّ الحسن والجميل في الله هو ما سيرشدك إلى طريق يخفف يومًا بيوم هذه الدقائق قبل أن تنام في طمأنينة وتتلحف بالسلام الداخلي.. فقط الله.

خاطرة عن بقاياي ورمادي


on , , ,

No comments

خاطرة عن بقاياي ورمادي


مرّ عام أو أكثر منذ أول تجربة تعرضت فيها لدور النشر وسلّمت أوراقي إلى غريب كل الغربة عن نفسي وأعطيته "جزءً من عقلي" كما يقولون، وسمحت لشجاعتي بأن تقودني إلى مصير لم ولن أعلمه إلا إذا أخذت التجربة مسارها. أتذكر جيدًا يوم ذهبت أنا وإنجي أمين ورانيا أبو زيد إلى ساقية الصاوي لحضور ندوة عبر سكايب كان يحدثنا فيها أحد القلائل الذين نجوا من كابوس هيروشيما وناجازاكي، والتي ذاب قلبي ذوبانًا في نيران حربها عندما روى لنا الناجي موت أصدقائه في المدرسة على مقاعدهم والتصاق جلودهم بالمقاعد إثر القنبلة (لن أستطيع التطرق في هذا الكابوس لأنه يحتاج كتبًا كاملة). ثم اضطررنا، بعد أن داهمنا الوقت، إلى مغادرة المكان للحاق مقابلتي الشخصية مع صاحبة دار النشر. ذهبنا إلى المكان بعد أن ضللنا الطريق حوالي ٣ مرات وتأخرنا حوالي ساعة ونصف؛ ومن يعرفني جيدًا يعرف أنني دقيقة المواعيد إلى حدٍ كبير، فلكم أنت تتخيلوا ازدياد التوتر مع مرور الوقت. وبعد الوصول الآمن أخيرًا، رفضت أي منهما الصعود معي للمكان. "هنستناكي تحت ونلفّ في المكان شوية على ما تخلصي". 
لم يطُل الجلوس كثيرًا وخرجت وتملؤني بلاهة وبرود غريب، من يعرفني جيدًا أيضًا يعلم أنني أعجز عن إبداء ردود أفعال في مواقف معينة. وكان هذا أحد أشهرها، حتى أنني أتذكر بهجة إنجي وتعجبها من وجهي الصامت. ثم عاد كلٌ منا إلى منزله وظللت أنا هناك، في ذلك المكان؛ وكيف لا وقد أعطيت الناشر كل ما أملك من أفكار وقوافي وكلمات حفظتها سنين طويلة ( خمس سنوات). ظل على وجهي التعبير ذاته والانفعال، أو بالأحرى اللا إنفعال ذاته، حتى ذلك اليوم. ذلك اليوم الذي تلقيت فيه اتصالًا يعلمني بأن النسخ المجانية من "كتابي" جاهزة للاستلام، وهنا تأتي واقعة أخرى، عند طلب صديق عزيز عليّ الذهاب بنفسه إلى حيث يوجد الكتاب (على الرغم من البُعد الشديد لمكان إقامته عن الأرض التي تحمل كتابي)، إلا أنه ومع الإلحاح ومع استمتاعي بمشاركة الآخرين سمحت له بالذهاب ثم مقابلتي بعد يوم العمل لاستلامه منه. ذهب محمد دنيا إلى المكان واشترى لي (أو للكتاب) كيسًا أنيقًا من الكرتون ليحمل فيه الكتاب. وهنا تأتي ملاحظة مهمة بالنسبة لي لم يعلمها محمد أبدًا، فقد اشترى كيسًا يحمل لوني المفضل مع أنني لم أفصح له به أبدًا. وكان قد وعدني قبيلها بألا يلمس الكتاب أو يراه حتى نتقابل، وهذا ما حدث. 
ثم زارني نفس اللا انفعال مرة أخرى مع رؤية الكتاب، يا ربي .. كتاب؟ كتابي؟ من؟ أنا؟ لحظة غاية في العمق والانبهار والسحر والصمت الممتلىء بكمّ هائل من الكلام. لحظة بعمر. لحظة لن يدركها إلا من يكتب. 
أكتب هذه الكلمات لأنني تذكرت هذه اللحظات، ولأن امتناني لكل من ساهم في كلمة من هذا الكتاب لا يزال يملؤني، وبعد أن خطر ببالي أنه بعد عام من ميلاد هذا الكتاب حدث في شخصيتي تغيرات غريبة جدًا دفعتني إلى كتابة هذه الكلمات بالعربية وليس بالإنجليزية، تغيرات دفعتني لأتمنى أمنيتي الثانية: كتاب عربيّ أغير به تفكير ولو ربع شخص عن اللغة.. بالتأكيد ليس أمثالي من سيغيرون اعتقاد قُراء عن اللغة العربية، ولكني أؤمن أن حبي لها، مجرد حبي لها وسعيي لأن أوزع هذا الحب على كل من قابلته، أؤمن أنه دافع كافي لاستكمالي هذه الرحلة لكتابة كلمات آمل أن تكون مفيدة روحيًا بقدر إفادتها لغويًا. وفي هذا السياق يتوجّب عليّ اختيار اللفظ الأدق من "آمل" ألا وهو "أدعو".

شكرًا لكل من ساهم في نشر هذا الكتاب وقراءته وكل من شجعني ورأى في شيئًا لم يره غيره (أحمد سعد) واستطاع أن يلمس في كلماتي شيئًا مما أعجز عن قوله، وشكرًا لكل من كان سببًا في كتابتي الآن بالعربية (سلمى عبد الوهاب) بعد عناء طويل وخجل رهيب من مشاركة ما أكتبه (محمد دنيا).

وفي نفسي قبل أي شكرٍ من هذا.. الحمد لله على نعمة الصحبة الصالحة .. الحمد لله. 




فقاعة النفس


on , ,

No comments


فقاعة النفس



لطالما تمنيت أن تكون هالتي مرئية، كنت دائمًا ما أشعر أنها مفترق الطريق بين أفكاري وأفكار الآخرين التي أريد أن أنفصل عنها، فأستعين بهذه الهالة لأعود إلى نفسي، ولأتقوقع داخلي وأنكمش بجلدي إلى الداخل بطريقة ما. ثم قررت في لحظة ما أن أسمّيها "فقاعة النفس"، تلك التي يقفز كلٌ منّا بداخلها وقت حاجته، أو عندما ينهال عليه سيل من الواقع فينزلق بكل ما بداخله فيها، ليحتمي؟ ربما وربما لا -  ربما هو مجرد بيت زجاجي مؤقت لن يدوم طويلًا. 
هذه الفقاعة التي احتملت كمًا مرعبًا لا يُعد من أفكاري حتى تمنيت ورفعت يدي في لحظة ما آملة أن أتخلص منها. تمنيت أن تكون لأفكاري أجساد تكبر وتصغر حسب قوة الفكرة ومدة عنادها داخل رأسي، حتى تنفجر هذه الفقاعة وتتحول إلى جزيئات من الأفكار التي ستتحلل أو تتبخر في الهواء فيما بعد، ويتخلص منها العالم أجمع.
ثم خفت أن تصمد وتعافر فكرة ما وتغوص في عقل شخص آخر، فينقضي بي الحال إلى خوف آخر لا ينتهي. فتمنيت أن أخرج خارج جلدي وخارج نفسي وأترك هذه الفقاعة، أهرب من داخل داخلي، لأرحل إلى أخرى لعلي أجد فيها أفكارًا أكثر هدوءً وأكثر استرخاءً. لعل بها شخصًا يعرف ما أجهله. تمنيت أن أخرج خارج نفسي وأتقمص دورًا لا هوَ لي ولا مني، لأنظر إليّ من مسافة بعيدة وأراني من خارجي كيف أكون، وماذا أكون. تمنيت أن أجد إجابات للعديد من الأسئلة التي تقتلني ولا تتركني: مثلًا كيف يحتلّني صمتٌ مخيف في أشد الأوقات حاجة للكلام، وكيف تعذبني كلمات دائمًا ما تخرج على غير موعد. كيف تحدثُني ولا أتمكن أن أعطيك كلمة أو أرفع شفة من على الأخرى لأنطق بكلمة واحدة، فقط أبتسم ويغرقني صمتٌ غير مفهوم. تمنيت أن أعرف كيف تراني وكيف يراني من يظنّ أنني من شدة الإخلاص أكاد أغيّر العالم، وكيف لا يدركون أن العكس هو الصحيح، وأنني محيط يصب فيه العالم تغييرًا يوميًا دون أن يراه أحد. تمنيّت أيضًا أن أكون أنت وأترك لك كلمات قد لا أتفوّه بها وأنا بداخل فقاعتي ونفسي، ثم أهرب إلى حيث أشاء وقد ارتاحت شفتاي اللتان تحملتا الكثير من الكلمات وراءهما.
تمنيّت أن أخرج من داخلي وأن أحطّم أسواري وأصارع مخاوفي وأحرر كلماتي.
تمنيّت ألا تكون لي فقاعة، تمنيّت ألا أكون.. تمنيّت ..




حنين


on , ,

No comments

حنين


أحنّ إلى القليل من الحنين في كلمات وعبارات ماتت منذ زمن، وفي زمن لم تعد تصلح له الكلمات والتعازي والتهنئات، لم تعد تنفع له جميع الأوصاف، قبل أن تنتحر وتتلاشى الكلمات من قواميسنا. أحن إلى قلم وورقة أقترب منهما دون أن تنهال عليّ موجة وصفعة من آلام الرأس والصداع الذي لا ينتهي إلا بانتهائي من آخر كلمة أو بفقداني الأمل وانسحابي التام من كلماتي ومن نفسي ومن قلمي. أشتاق كل الاشتياق لخيط من خيوط شمس الصباح الذي يتخلل نافذتي دون أي إذن مني وبرغم هذا أستقبله بتفاؤل لا أعلم من أين يأتي. أحنّ إلى كلمات تأتي بعواصف في جسدي وروحي، إلى درويش ومطر ودنقل وجويدة والرافعي، إلى كل من لمست كلماته قلبي بشيء من الرقة والعذوبة التي لم أرِد أن تنتهي أبدًا. آه كم أحن إلى عبارة واحدة من عبارات الرافعي كـ" أيتها الحقيقة لا يظفر بكِ إلا سعداء الفطرة ، وما الطبيعة كلها إلا إيمان بك ودليل عليك". كلمات ربما لن تهُز البشرية يومًا كما هزّتني لحظة قراءتها. أحن إلى حنين درويش في:
"أحنّ إلى خبز أمي                        
و قهوة أمي
و لمسة أمي
و تكبر في الطفولة
يوما على صدر يوم
و أعشق عمري لأني
إذا متّ،
أخجل من دمع أمي!"
ربما في يومٍ ما، ربما، ستهتز البشرية والإنسانية بعبارات مثل عبارات الرافعي وبجدارية قريبة من جدارية درويش وتعتزم ألا تصالح ظالمًا أيًا كان على نهج دنقل.. ربما لست أدري، أقصد مؤكد أنني لست أدري ما تخبؤه لنا عقارب الساعة التي نكاد لا نشعر بصوتها. عجيب أن أكثر الأشياء التي لا تشعر بوجودها هي نفسها الأشياء التي تحتاجها أمس الحاجة إذا فُقدت دون أن تدري. أنانية إنسانية.
أتوق إلى ابتسامة عفوية من غريب من غرباء الشارع في صباح من صباحات العمل المتكدسة والمنشغلة حين يكون الناس في رحلة واحدة وبهدف واحد ونفس واحدة. إنها وحدة الروح، بدون أي آلام تُحكى دون ضحكات. غريب هو شعبنا الذي يضحك ضحكات هستيرية على أكثر الحكايات بؤسًا؛ ولكن من يدري ألا يمكن أن يكون الضحك هو السلاح الأمثل لمنع الإجهاش بالبكاء في لحظة صدق؟
صدّقني يا من تقرأ كلماتي أننا أُناس نعلم كيف نتغلب على صعوباتنا وآلامنا مع الغرباء، ولكننا لا نعلم كيف نواجهها مع الأقرباء لنا، والأصعب من ذلك.. من منّا استطاع بجرأته أن يتغلب على آلامه أمام نفسه؟ من منّا ضحك لنفسه ساعة كان يحكي لها على آلامه؟ كلنا جربنا هذه التجربة في الشوارع العمومية وأخذ المارة يحملقون فينا كأننا فقدنا عقولنا، ثم خفنا ولم نعد نتحدث لأنفسنا حتى تناسينا آلامنا، ولكنها ستظل هناك. ستظل حتى نقدر على عجزنا ونتمكن من السير في شوارع مدينتنا كالمجانين، ولكن فرحين.. أليس المجانين في نعيم؟

تخبُّط


on , , , ,

No comments


تخبُّط


يوقظني حلم غريب أشبه إلى الكابوس فأتذكر أنني أمضيت ليلة البارحة أتابع النشرات الإخبارية الكاذبة المثيرة للغثيان. أسحب ستائر غرفتي في هدوء شديد حتى لا تتخلل أشعة الشمس في عيني، خوفًا من أن أرى النور وأنا لست على أتم استعداد لمواجهته، جُبن أو هرب، لا أدري. أفتح نافذتي ثم أغلقها، لا أريد أصواتًا من الخارج، يكفيني أصوات داخلية تعذبني حتى في منامي. أشرب القهوة ثم أُدرك أنني قررت أن أعتزل الطعام اليوم، ولكني أرتشفها في جرعة واحدة على أية حال وأقرر أن أستكمل اليوم بدون طعام. فمن يريد طعامًا في هذه البلدة التي تخلو من الألوان؟ أقرأ الرواية التي تركتها وحيدة بالأمس بدون أن أستكمل ما فعله البطل بعد سلسلة الأفكار التي أوشكت على هلاكه. أفتح الصفحة المليئة بأفكاره في كتاب مليء بأفكار الكاتب وأنا غارقة في محيط من أفكاري أنا. آه، ياليت لنا رصيد محدود من الأفكار في حياتنا حتى لا نغرق في أفكار غيرنا وأفكارنا وأفكار شخصيات ليست حتى بالحقيقية.
أُغلق الرواية وأقرر أن أغرق في بحر آخر من الأفكار أمام غلافها الخارجي، كيف استطاع مصور الغلاف تصوير هذا المنظر الذي يبعث للمتأمل شعورين متناقضين غير مفهومين، شعور بالإحباط والاكتئاب والذُل وشعور بالأمل والحياة والفرح.. كيف استطاع أن يجمع متناقضات الحياة، بل أن يجمع الحياة كلها في ورقة سميكة من الكرتون الذي يمكن أن يتلف بسهولة. ولكن ما يدريني أنا ولماذا أعبأ بهذه الترهات والسخافات، إنه مجرد غلاف لرواية بائسة حزينة تبعث الاكتئاب أكثر من بعثها للحياة على أية حال.
أستلقي. أنظر إلى سقف غرفتي، غريب كم ينظر كل منا إلى سقف غرفته ويستوحي  له بأفكار لا يستوحيها مكان آخر، غريب ما يفعله مجرد سقف لا شكل ولا زينة له. أغمض عينيّ وأتخيل اللا وجود، اللا كينونة، اللا شيء. أتخيل الفراغ والعدم وأتخيلني لست هنا.. لحظة رهيبة من "الانفصال عن الواقع" أو "اللا إدراك" بالمعنى الحرفي. شعور سحري ومليء بالتخبط في نفس الوقت، قد يُحدثك من حولك وأنت غير واعٍ بأنهم هنا، أو بأنك هنا، ينتابك شعور بأنك في مكان آخر وأنهم ليسوا حقيقيين وليسوا في عالمك وإنما هم غرباء، دخلاء، على أفكارك.
أبدأ في كتابة شيء ما عن هذا التردد الذي يُغرقني وعن هذا العالم الذي يملأني بالكلمات المتخبطة التي أكتبها ثم لا أفهمها ثم يفهمها غيري وأتعجب مما يقولونه وكأنهم يتحدثون عن شخص آخر كتب هذه الكلمات. أكتب وأحاول ألا أترك الخيار الأخير لي لأتنفس نوعًا من الصعداء، قليلًا من الصعداء. القليل.
ثم أتوقف .. 


خطوات النسيان


on , ,

No comments

خطوات النسيان


تعريف التناسي: هو التظاهر بالنسيان وخداع العقل به، ولكنه أبعد ما يكون من النسيان. إنما هو محاولة بائسة لاسترداد فرح مفقود أو حياة قديمة أو ماضٍ زال ولن يعود ولو بكينا عليه دهرًا. في الحقيقة إن لفظ "التناسي" لفظٌ عبقري لا يوجد له نظير في أي من اللغات الأجنبية التي درستها، أو على الأقل من معرفتي. كلمة دقيقة جدًا تُعبّر عن حالة حرب داخلية مميتة بين العقل والقلب، بين الجانب العاطفي والآخر الحكيم من الجسد. كلمة من مرادفاتها "الكذب على النفس" و"التظاهر بعيش أحسن حالة من الفرح". تخيّل أن هذه الكلمة فقط تعني حربًا داخلية "عالمية"، إذ أنها في نفس كل بشريّ مرّ بحزن ما أو وجع لا يُنسى. ومن منّا لم يحزن أبدًا قبل أن يتناسى ثم ينسى. ثم إذا أمعنت التفكير والتأمل في هذه المسألة فإنك سترى أن التناسي يأتي قبل النسيان، لأن التناسي إرادة داخلية من شخصك، أما النسيان فهو إما بالتعوُد على زوال هذا الشيء - إن جاز التعبير - أو بالنضوج شيئًا فشيئًا مع الوقت. وبالتالي فنحن لا نختار من ننسى ولكن - والحمد لله - لنا حرية اختيار من "نتناسى". شعور بالذاتية والاستقلالية وإن كان اختيارًا مؤلمًا في كثير من الأحيان. ثم إننا "إنسان" من النسيان، ولذا فإن النسيان آت لا محال في مرحلة ما، ولكن المرحلة السابقة له ما هي إلا مواساة لضعفنا الداخلي ورِقة قلوبنا. ليتني أجدُ مرادفًا لهذه الكلمة بلغة أخرى، ولكن حتى وإن وجدت؛ فستظل كلمة "التناسي" العربية هي كلمتي المفضلة بدون أي ترجمة أو تحريف أو مترادف غير دقيق. فهي أدق ما يمكن أن يكون ليصف هذه الحالة. عبقرية!

ننسى ونُنسى


on , , ,

No comments


ننسى ونُنسى


كانت حقيقة لا يستطيع شخصٌ عاقل أو ناضج أن يُنكرها: كُلما زِدتَ عُمرًا كُلما اقترب شبح الموت منك وممن حولك بشكلٍ مُرعب. وقد حدث هذا أمام عيناي بعدَ أن وصلتني رسالة منذ حوالي عامين برحيلِك. كنتِ أقرب إلى زميلة لي ولستِ صديقة مُقرّبة. كُنا أحيانًا نجلس سويًا على مِنصة دكتورة الجامعة قبل أن تُعطي محاضرتها المملة الشهيرة والتي كنّا نحضرها لأن وجهها كان يملؤنا بالرعب وكأنه كُتب عليه "لن تنجحوا أبدًا أيها الفاشلون". مُحاضرة الأدب أو النصوص. كُنتِ ذات قلبٍ مَرح وكُنتِ تُحبين بلدك أشد الحُب حتى أحببتني فيها، السويس. ثم وبعد عامٍ ونصف من تخرُجِنا إذا بكِ تُرسلين بالرسائل إليّ وأنا لا أعبأ كثيرًا حيث أنني دائمًا ما كُنت أتجاهل رسائل من هم ليسوا مُقربين لي بسبب ضيق وقتي أو انشغالي بأمور أخرى، وكانت هذه آفتي العظيمة. لا أتذكّر كيف وكم من الوقت ندمت على هذه المعاملة المُريبة التي كنتُ أعاملها لمن يهتم بي، ولكنني أتذكر جيدًا وقع الخبر عليّ عندما أرسلت لي إحدى صديقاتي المقربات رسالة بها "موجة ماتت يا نعمة!!!". وقفتُ أمام الرسالة وأنا لا أدري ماذا أقول، هل كانت مريضة أصلًا؟ حادثة سيارة؟ يا ربّي ماذا حدث في لمح البصر؟ سألتُها في رسالة أخرى فلم أجِد منها هي أيضًا ردًا واضحًا. قال البعض أنها أصيبت بمرض خبيث في معدتها، وقال آخرون أنها كانت تُجري عملية الزائدة وفشل الأطباء في إنقاذها. ولكن هل المهم "كيف" ماتت أم المهم أنها ماتت وأنا لا زلتُ أنا ذلك الشخص السيء الذي تجاهل رسائلها السمحة الجميلة؟
ثُم إنني لن أنسى بعدها سلسلة غريبة من الوفيات من أقارب صديقات مقربات لي، ثم وفاتنا أنفسنا من الداخل، سلسلة من الأحزان والأوجاع اللامتناهية لابد لها وأن تزرع فينا نقصًا ما، تمامًا كما زرعوا هُم فينا ما يملأ جانبًا من حياتنا. من الصعب اقتلاع شيء تعودنا عليه وبدون أدنى تحذير أو استعداد لهذا النقص، من الصعب نسيان من لم ينسونا وهُم أحياء، إلا أننا ننسى، إلا أننا نعتاد على هذا النقص حتى يملأه شيء أو شخص آخر، لكن لابد للحياة أن تُنسينا ولو كان بمقدار ضئيل جدًا. تبًا للنسيان والحمد لله على نعمته في آن واحد.
تقترب مني سلسلة أخرى من واجبات "البقاء والدوام لله" و"إن شاء الله في الجنة" وعزاء هُناوعزاء هُناك، تقترب ولا أدري من سيأتي، أو بالأحرى، سيرحل غَدًا و بـ"أي أرضٍ يموت". أذكُر في كل عامٍ صعود أعمال الإنسان في منتصف شهر شعبان، وأذكُر أيضًا أنه مع هذا الحدث دائمًا ما تتوالى سلسلة لامتناهية من التعازي وفي كُل مرة تقترب أكثر.. ولكن لإننا "إنسان" من الـ"نسيان" فإننا ننسى من أحبونا ولو للحظة، وننسى من نُحبهم، ولو للحظة أيضًا.


تُنسى’ كأنَّكَ لم تَكُنْ
تُنْسَى كمصرع طائرٍ
ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى
كحبّ عابرٍ
وكوردةٍ في الليل .... تُنْسَى

- محمود درويش

رحِم الله الجميع.. 


هل يستوون؟


on , ,

No comments


هل يستوون؟


البعضُ يُصلي ويدعو ويتضرع خيفة.. والبعض الآخر يدنو بروحه إلى أدنى مستويات الذُل بغير عِلم. البعض يبكي خوفًا والبعض الآخر يضحك ترفًا وجهلًا، وكُلّهم لا يعلمون. البعضُ يُمسك مصحفًا ويُرتل ترتيلًا وأخلاقه تسحقُه داخليًا وهو لا يدري.. والبعض الآخر يُمسكه على مضض وأخلاقه أخلاق صالحين. البعضُ يبتسم وما هو بمبتسم والبعض الآخر يبكي والدنيا تُعطيه ما يريد. البعض تُذيبه حلاوة الهيام بالمحبوب والبعض الآخر تُذيبه المعاصي ودُنوّ الدنيا وما فيها. البعض يُحِب حتى ينسى والبعض ينسى بالحُب ويُسمي نفسه "مُحِبًا". كثير يشكون للمخلوق وقليلٌ يشكون للخالق. البعض يمشي على ثِقل وهو في عشرينياته وآخرون بلغوا السبعين ولم تُهلكهُم حياة واحدة. البعضُ يخون ويُخان ويبتسم وكأن شيئًا لم يكُن، وكأن الحياة فانية وليس له فيها إلا صمتٌ سحيق يغفر به لمن يقدر ليرحل بنفسٍ راضية مرضية. والبعض يقتله الشكٌ حتى يعجز عن الوصول إلى برّ اليقين فيموت شكًا دون أدنى مشكوك فيه. والبعض يقضي لياليه نائمًا في فراشه وما هو بنائم ولكنه حالمٌ بصُبح قريب يُبدّل به الحقُ الظُلم بالحق ويهديه إلى طريقه، والبعض يغُط في سُبات لا يُفيقه منه إلا الترف والبذخ والدُنيا وما فيها وما هو بحيّ، إن هو إلّا ميّتٌ في حياته يقوم ويقعد بروح ميّت ويدنو دنوًا لن يأخذه إلى حياة أخرى إلا بالخوف. والبعض يتحدّث دون توقف عما ليس له به علمٌ ويُصدقه الفقراء للعلم، والبعض القليل يصمت وهو في قرارة نفسه كنزٌ من كنوز العلم لا يبحث عنه كثيرون.

هل يستوون؟

الكتابة والقاتل


on , , , ,

No comments


الكتابة والقاتل


وعدتُني بأن أكتُب. وعدتُني بكلمات كتبتها ولم أكن أعلم أن وعدي لنفسي "حُجة" مؤلمة أراها أمامي كل يومٍ وأفكر فيها بدون توقف. لم أُفكر في أوراقي ولا في أقلامي بل فكرت في مُدونتي الوحيدة شديدة الوحدة منذ انعزالي من ثلاثة أشهر ومنذ قراري بأن أترك الكتابة فترة حتى أستطيع أن أُقرر ماهية كتاباتي وما يجب أن أُعود نفسي الفقيرة عليه بعد أن أصبحت من أكثر من يعجزون عن التعبير بالكلام وبعد أن اكتشفت أنّي أقف أمام العديد من الناس محاوِلة وجاهدة لأقول ما بداخلي ولكن أُدرك حينها أن الكلام ليس لأمثالي.. أمثالي يكتبون لا يتكلمون.
هل هذا مرض؟ أم هي الكتابة؟ وهل الكتابة "مرض" أصلًا؟ لو الإجابة هي لا، إذن فلِمَ انتحر كثيرٌ من الكُتاب أو دخلوا في مراحل اكتئاب مزمن آلت إلى تعبيرهم بأشد الروايات والكتب حُزنًا ووجعًا. ما هي الكتابة؟ تعبير عن النفس؟ وماذا تصبح بعد أن تتحول إلى عادة؟ أتصبح "موهبة"؟ موهبة جاءت نتيجة أوجاع وآلام؟ آه...مُحيرة.
أقررت أن أكتب بالعربية فقط؟ لا أدري. أقررت أن أعتزل الإنجليزية بسبب حُبي المُفرط للعربية مؤخرًا ولكي أُنميها في عقلي بأكبر قدر وأنتفع وأنفع الناس بها بأي شكلٍ من الأشكال؟ والله لست أدري، ولكن كل الذي أُحسه هو ألم رهيــب ووجع لا يُحتمل وكأن بداخلي قنابل موقوتة تنفجر كلما عجزت عن اتخاذ قرار حول هذه المسألة، وكأن عجزي يتبدّل ويتحول إلى أسلحة ضدي تُدمرني تدميراً لا هوادة فيه. هي مُهددي وسارقي ومغتصب نفسي منّي. ولكنها لا تزال شيئًا مدهشًا يبعث إليّ سحرًا مع العودة إليه، كالمدمن الذي يُدمر نفسه ويستمتع بها في نفس الوقت..ماسوشية؟ ولمَ لا؟
أُريد أن أصبح كغسان كنفاني. من يعرفني جيدًا يعلم يقينًا أني لديّ جنون بشخص الكاتب الفلسطيني الذي اغتالته الموساد، غسان كنفاني. غسان هو رمز النضال الأمثل بالنسبة لي، وهو فاق بكثير إرنيستو جيفارا الذي كان رمزًا للنضال في قلبي في يوم من الأيام، حتى قدّمت لي الأيام غسان كنفاني في أول رواية صغيرة قرأتها له وهي "عائد إلى حيفا" وبدأت عقبها اقرأ "رجال في الشمس" ثم "أرض البرتقال الحزين" ثم وأخيرًا "موت سرير رقم 12"، تلك الأخيرة التي لن أنساها طالما حييت. كيف يستطيع كاتب روايات قصيرة وقصص لا تتعدى الصفحات العشر أن يكتب كلمات بهذا العُمق دون حاجة إلى الإطالة لإيضاح فكرته أو تعميق أوجاعه على بلده؟ كيف استطاع أن يتركنا في هذه الصدمة مع كل قصة قصّها ومع كل جملة أراد بها إيضاح أفكار ليس لها حصر؟ كيف وكيف؟ وكيف قتلوه ولم يبق منه أشلاء واحتفلوا باغتياله على طاولاتهم السياسية القذرة؟ آهٍ يا غسان يا قاتل! قتلوك جسديًا فقتلتنا نفسيًا قبل أن تُكمل عامك الأربعين.
وكيف، اشرح لي، جئت بهذه الكلمات التي أبكتني على عروبتي وعلى فلسطيني وجعلتني في كل مرة أقف عن الكتابة والقراءة لأتعافى من صدمة كلماتك. أتساءل أحيانًا: وماذا كان سيحدث لو افترضنا أنهم لم يقتلوك؟ هل كنت ستدلُّني على محيط الكلمات الذي تأتي منه بها؟

يا قاتل! لأجلك وبسببك أريد أن أُكمل مسيرة ما، أريد أن أستكمل ما تركته: قتل الناس بالكلمات ليعجزوا عن الحديث المُترف الدنيء الذي لا ينتهي.. وينتصر سيف الكتابة على أعداء السياسة. نعم.


عودة حذِرة ..


on ,

No comments

قررت العودة إلى هذه المدونة بشكلٍ مختلف قليلًا ألا وهو الكتابة "شبه" اليومية باللغة العربية لعدد من الأسباب:
1-    العودة إلى الكتابة والتعبير عما في داخلي ولكن بشكلٍ مختلف قليلًا.
2-    التعود على الكتابة باللغة العربية علّني بها أستطيع أن أُكمل مشواري ولكن إلى الطريق الصحيح.
3-    أعود إلى مدونتي التي افتقدتها بشكلٍ غريب ولا أستطيع أن أتركها أكثر من هذا.


وعلى الله توكلنا :)


من لم يكن أنت


on , , ,

No comments


أسندت رأسي على أكثر وسائدي ليناً حتى لا تبعث بالإرهاق إلى أفكاري أو حتى لا يهرب ما في رأسي من ذكرياتٍ وأحلامٍ وتخيُلات. هل أفكر في إنسانيتي أم في غرور كينونتي؟ هل أحُل ضعفي أم قوّتي؟ ألم يقولوا لنا أن القوة هي عكس الضعف؟ فلماذا يبدو في أن ضعفي أقوى من قوّتي؟ أم أن قوّتي لا تكونُ إلا نتيجة ضعفٍ لا مفرّ منه إلا بالتظاهر بالقوة؟ ألم تكن أحلامي ذات ليلةٍ أمامي كالسراب؟ فلمَ ذهبت ولم يبقَ حتى السراب؟ أم هي وسادتي التي تتشبّع بكل ما أستطيع الحلم به. أيكونَ الحلُّ ألا أغفو أو أن أنسى مفهوم النوم؟ أحياناً تستيقظ في الصباح دون أن تذكر ما كان يشغل ليلك قبل حلول العتمة في عينيك. قد تكون هذه أفكارٌ تودّ الهروب منها فقط. أو قد تكون تناسيت فهُيّء لك أنها باتت في عداد النسيان. قد تكون هذه أفكار ليلة سابقة لها، أو ليلة لم تحدث أبداً. قد لا تكون أنت أنت، ولا أفكارك في رأسك. وأحياناً تستيقظ لتكمل النوم ظانّاً أنه كان الحقيقة وأن استيقاظك كان حلمك. قد تكون ألف شيء، وقد لا تكون مليوناً. هل تفنى دون أن تحاول أن تكون ما لم تكن من قبل؟ هل تستسلم لما هو أنت خوفاً مما ليس أنت حتى لا تضلّ في منتصف الطريق ولا تدرك من تكون ومن كنت؟ هل يدفعك الخوف إلى الموت داخلك فتُفضل الخوف من الحياة على الحياة مع الخوف؟ هل تُفضّل موتاً عادياً أم أن موتك بشخصية "تحاول أن تكون" هو موتك النبيل في حد ذاته؟ من أنت لتتمسك بمن تكون على أية حال؟

لماذا..السؤال


on ,

No comments


حُطامُ كُتب. حُطام كلمات. بقايا أحرف اندثرت في أعماقي. أشلاء معانٍ لم أستطع احتواءها معاً لتُشكّل لي معنى "من أنا". صفحات تُقلب بسرعة نبضات قلبي. صفحات مضطربة ساعة امتلاء ذهني بتشويش أجهلُ مصدره. انتفاضُ عروقي حين أسمع همساتي لكلمات كتابٍ بين يداي، حتى تكاد شراييني تنفجر كلما ارتفع صوتي أكثر. أشخاص وعبارات وألوان وسيناريوهات. أحداثٌ وتهيُّئات وهلوسات....ثُم صمت. لماذا كُل هذا؟ ألأنني فقدت إحساس الكلماتِ أم لأن الكلمات تاهت بين روحي وجسدي. أسطُرٌ تُلاحقني وأقلامٌ تدُسّ حبرها بين أناملي. لا أريدُ أن أكتب. هل بإمكاني الاحتفاظ بصمتي داخلي؟ قد تكون صفحاتي الفارغة سبباً في تغيير أُمة؛ لمَ لا تقتُل الصفحات الفارغة المُحدق بها إذا أمعن النظر مدة تزيد عن مقدرة روحه؟ ألا يُمكن أن يُصبح الكاتب عبقرياً بقدرته على ملء صفحات كتابه بأسطر صامتة؟
ليس بإمكاني أن أُخبرك أن كلماتي ستُغيرك، فما بالك بصمتي وهو الذي لا يفهمه من عاش بداخلي أعواماً قد نسيت عدّها. لكني لا أُريد أن أكتب. فالكتابةُ إحياء أمواتٍ ومعالجة ذكريات مهترئة وعبث بألفاظ لا تُكن للإحساس بشيء. الكتابة تقتل شعراءً وتسجن عباقرة، فقد صدق من قال أننا نُحب ما يقتلنا بل ونتلذذ به. الكتابة تاريخ ومستقبل وحضارة ودمار. الكلمات تحوي "صمت" ولكن أين هي منه؟ الكتابة سجن وحرية، حروبٌ وإنسانية، ارتقاء وجنون عقلية.
هي الحياة والموت.

فقل لي لماذا أكتب؟



حيرة


on

No comments


حيرني سؤالُك
وأجبت فيحرتني إجابتي
ثم تمنيت أنك لم تسأل
وأنّي لم أُجِب
وأننا لم نَكُن
أنت و أنا


اتركوني


on , , , , ,

No comments


اتركوني أنصرف
اتركوني أختبئ
تحت طيات السنين
بمَ في أهترئ

فلم يعد للقلب لونٌ
لا خريف أو ربيع
لم يكد ظلي يشٍفُ
ليحنّ لماضٍ فقير

فلا ماضٍ يطوله الذكر
ولا حاضرُ يكفي النحيب
بينما ضاع مستقبلي
بين صديق و غريب

أطلقوا روحي إلى
بحر أسئلة بعيد
فيه أين و كيف و متى
يتحرر العبيد

اذكروا لي وصفةً
دون موت السجناء
علّ شمسهم تحرق
أرضي أرضُ الداء

أو قولوا لي ماهيتكم
قد يدلني فكري الكفيف
حيث تقطن ضالتي
لأحرر بها الضعيف


اتركوني...


10:49  24 سبتمبر 2012.
Courtesy here

أرضي...الفكرة..


on , ,

No comments

ولكنها لم تَعُد أرضي
..فقد وقعَتْ فكرة في عقول من لا يستحقها
كالفريسة
لغتها أصبحت أجنبية عليّ
كالسائح

دعْهُم  بغرورهم
فيوماً ما سنستردها
بتواضُعِنا