Showing posts with label Self. Show all posts

انتفاء روح واغتراب جسد


on , , ,

No comments

انتفاء روح واغتراب جسد



تنفيني نفسي من الداخل، فأسافر منها لأعود كما لو كان لي وطن أحن إليه فأعود شخصًا آخر. ثم تنفيني مرة أخرى وأعود فتعيد الكرّة مرارًا وتكرارًا حتى يُخيّل إليّ أنني لن أصبح من تريده ولن نتفق مدى الحياة، وربما نتفق لحظة الموت الأخيرة فقط فتكون كافية لحل هذا الصراع بهدوءٍ أخير قبل سكون أبديّ. وقد نلتقي في مفترق الطرق فيفضل كل منا استكمال مسيرته وحده، فإن الوحدة تشفي أحيانًا، أو يُخيّل لنا هذا. ويقول كلٌ منا لنفسه ألا تحزن فإن الله معها. وأحيانًا قد نسلك نفس الدرب ونمشي الهوينا أو يزيد واحد منا من سرعة خطواته حتى لا يلحقه الآخر وحتى لانلقتي أبدًا. ثم إذا تساوت سرعاتنا لا يدور بيننا حديث واحد ويطبق كلانا بالصمت كما الغريب بين أربعة جدران بينما يسود الغربة والرهبة والتحفز هواء الغرفة. المهم أننا لا نلتقي، والأهم أننا لا نتفق. والمهم أيضًا أن يعيش كلانا بحثًا عن الآخر بينما هو يسير بجانبه ولكن التظاهر أعمى والتضليل أعمى والكذب أعمى والخداع أعمى وفقر النفس أعمى. ولكن العمر كله أعمى

تذبذُب


on , , , ,

No comments

تذبذُب 




كتبتُ لصديقٍ في صباح خريفي مرة :
إليك وإليك فقط، يأتي الخريف ولا أستطيع إلا أن أتذكر أيامنا، عندما كُنت مبعث بهجتي ولوحة ألوان الطيف في عالمي الداخلي، في روحي، أتذكر ألوانك المجنونة وألوانك الرقيقة كل الرقة، ألوان روحك التي لوّنت بها روحي في عالم كان ينظر إلينا بأعينٍ لا لون ولا طعم ولا مزاج لها. ولكنني الآن أكتب بلوني الحياة والموت، فقد ماتت الألوان من بعد شحوب ألواننا معًا وبعد أن تغيّر كِلانا لشخص لا يستطيع هو نفسه أن يفهمه.
بعد رحيلك ورحيلي، بعد رحيلنا معًا تشكّلتْ في أعماقي نفسان لا أعرف أيًا منهما؛ بحثتُ في بادئ الأمر وأنا على يقين أن البحث الداخلي لا بُد أن يأتي بنتيجة ما ولو كانت سيئة وقبيحة. ولكنّي لم أجد لا هذا ولا ذاك. بحثتُ حتّى ذبُلت أطراف مشاعري كما لو كانت كأصابع أنهكها النبش في التراب. وعدتُ بعينين لا لون لهما بعد أن فشلت في العثور على لونٍ من ألواننا، لون طيفٍ من أطيافنا، لونٌ واحد. وجدتُ أنّي مليئة بالمعارك التي تدور بين إنسان وآخر، وأنا الثالث الذي هو ليس إلا أرض المعركة. وجدتني أغضب في أوقات حتى أصل إلى الحِنق بدون عُذر أختلقه أو مبرر يصلح، ثُم وجدتني في أحيانٍ أخرى هادئة كرياح الصيف التي تكاد تكون غير موجودة. وجدتُ أنني أستيقظ وعلى قلبي هموم وأحزان الدنيا التي أتت وتأتي بدون سابق إنذار وتُلقى عليّ كما لو كانت تقول لي "صباح الخير؟" ثم تضحك وتستطرد "لن تناليها" وعلى هذا أمضي بقية يومي الذي أتمنى أن ينتهي، فقط لأستيقظ في الصباح التالي بتفاؤل لا أعلم ماهيته ولا أعلم أسبابه حتى أنني أظنّ أنه لا يليق بي سعادة كهذه فأحاول العودة إلى الأمس ولكنني أحاول إقناع نفسي (أية نفسٍ منهما) أنني ربما أعاني من حالة تغيّر فجائي في شخصيتي فأتركني اليوم وأنتظر غدًا آخر. وأظل على هذا الحال يا صاحبي حتى يبتلعني الإرهاق والذبول ويكاد يُهيّأ لي أنني أعيش حالة أبدية من "انتظار الغد" ونسيان ما فيَ الآن.
أرهقني التذبذب يا صديقي، يقتلني هذا الإحساس الذي جاء بدون سابق إنذار أو تحذير. أكاد أجزم أنني أموت وأحيا على شخص آخر بشكل يومي: يقتلني شخصي الحزين ويجني عليّ شخصي الفرِح بالجنون البطيء. ألا يوجد زرٌ ما يعطيك مفرًا من واحدٍ منهما؟ ألا يوجد شيء ما، أي شيء، يحميك من استيقاظة الصباح التي كانت ساعتي المفضلة من اليوم، ببهجتها ودفئها وشمسها، ويسحبني من هذا التذبذب الذي سبب لي صداعًا قاتلًا لا يتركني يومًا.
أهي دوامة التذبذب التي تبتلعني داخلها أم هي ألوانٌ فقدتها في حياتي بعدك أحيَت كل كابوس يمكنه أن يسحبني للداخل ويقسمني نصفين لا أعرف كلاهما؟ أم هو رحيلك عنّي؟

هل لي أن أرى أطيافنا مرة أخرى؟ أم أنني قد أراك في هذه الدوامة يومًا ما ويعلم الله من سيلوّن الآخر مرة أخرى؟

خاطرة عن بقاياي ورمادي


on , , ,

No comments

خاطرة عن بقاياي ورمادي


مرّ عام أو أكثر منذ أول تجربة تعرضت فيها لدور النشر وسلّمت أوراقي إلى غريب كل الغربة عن نفسي وأعطيته "جزءً من عقلي" كما يقولون، وسمحت لشجاعتي بأن تقودني إلى مصير لم ولن أعلمه إلا إذا أخذت التجربة مسارها. أتذكر جيدًا يوم ذهبت أنا وإنجي أمين ورانيا أبو زيد إلى ساقية الصاوي لحضور ندوة عبر سكايب كان يحدثنا فيها أحد القلائل الذين نجوا من كابوس هيروشيما وناجازاكي، والتي ذاب قلبي ذوبانًا في نيران حربها عندما روى لنا الناجي موت أصدقائه في المدرسة على مقاعدهم والتصاق جلودهم بالمقاعد إثر القنبلة (لن أستطيع التطرق في هذا الكابوس لأنه يحتاج كتبًا كاملة). ثم اضطررنا، بعد أن داهمنا الوقت، إلى مغادرة المكان للحاق مقابلتي الشخصية مع صاحبة دار النشر. ذهبنا إلى المكان بعد أن ضللنا الطريق حوالي ٣ مرات وتأخرنا حوالي ساعة ونصف؛ ومن يعرفني جيدًا يعرف أنني دقيقة المواعيد إلى حدٍ كبير، فلكم أنت تتخيلوا ازدياد التوتر مع مرور الوقت. وبعد الوصول الآمن أخيرًا، رفضت أي منهما الصعود معي للمكان. "هنستناكي تحت ونلفّ في المكان شوية على ما تخلصي". 
لم يطُل الجلوس كثيرًا وخرجت وتملؤني بلاهة وبرود غريب، من يعرفني جيدًا أيضًا يعلم أنني أعجز عن إبداء ردود أفعال في مواقف معينة. وكان هذا أحد أشهرها، حتى أنني أتذكر بهجة إنجي وتعجبها من وجهي الصامت. ثم عاد كلٌ منا إلى منزله وظللت أنا هناك، في ذلك المكان؛ وكيف لا وقد أعطيت الناشر كل ما أملك من أفكار وقوافي وكلمات حفظتها سنين طويلة ( خمس سنوات). ظل على وجهي التعبير ذاته والانفعال، أو بالأحرى اللا إنفعال ذاته، حتى ذلك اليوم. ذلك اليوم الذي تلقيت فيه اتصالًا يعلمني بأن النسخ المجانية من "كتابي" جاهزة للاستلام، وهنا تأتي واقعة أخرى، عند طلب صديق عزيز عليّ الذهاب بنفسه إلى حيث يوجد الكتاب (على الرغم من البُعد الشديد لمكان إقامته عن الأرض التي تحمل كتابي)، إلا أنه ومع الإلحاح ومع استمتاعي بمشاركة الآخرين سمحت له بالذهاب ثم مقابلتي بعد يوم العمل لاستلامه منه. ذهب محمد دنيا إلى المكان واشترى لي (أو للكتاب) كيسًا أنيقًا من الكرتون ليحمل فيه الكتاب. وهنا تأتي ملاحظة مهمة بالنسبة لي لم يعلمها محمد أبدًا، فقد اشترى كيسًا يحمل لوني المفضل مع أنني لم أفصح له به أبدًا. وكان قد وعدني قبيلها بألا يلمس الكتاب أو يراه حتى نتقابل، وهذا ما حدث. 
ثم زارني نفس اللا انفعال مرة أخرى مع رؤية الكتاب، يا ربي .. كتاب؟ كتابي؟ من؟ أنا؟ لحظة غاية في العمق والانبهار والسحر والصمت الممتلىء بكمّ هائل من الكلام. لحظة بعمر. لحظة لن يدركها إلا من يكتب. 
أكتب هذه الكلمات لأنني تذكرت هذه اللحظات، ولأن امتناني لكل من ساهم في كلمة من هذا الكتاب لا يزال يملؤني، وبعد أن خطر ببالي أنه بعد عام من ميلاد هذا الكتاب حدث في شخصيتي تغيرات غريبة جدًا دفعتني إلى كتابة هذه الكلمات بالعربية وليس بالإنجليزية، تغيرات دفعتني لأتمنى أمنيتي الثانية: كتاب عربيّ أغير به تفكير ولو ربع شخص عن اللغة.. بالتأكيد ليس أمثالي من سيغيرون اعتقاد قُراء عن اللغة العربية، ولكني أؤمن أن حبي لها، مجرد حبي لها وسعيي لأن أوزع هذا الحب على كل من قابلته، أؤمن أنه دافع كافي لاستكمالي هذه الرحلة لكتابة كلمات آمل أن تكون مفيدة روحيًا بقدر إفادتها لغويًا. وفي هذا السياق يتوجّب عليّ اختيار اللفظ الأدق من "آمل" ألا وهو "أدعو".

شكرًا لكل من ساهم في نشر هذا الكتاب وقراءته وكل من شجعني ورأى في شيئًا لم يره غيره (أحمد سعد) واستطاع أن يلمس في كلماتي شيئًا مما أعجز عن قوله، وشكرًا لكل من كان سببًا في كتابتي الآن بالعربية (سلمى عبد الوهاب) بعد عناء طويل وخجل رهيب من مشاركة ما أكتبه (محمد دنيا).

وفي نفسي قبل أي شكرٍ من هذا.. الحمد لله على نعمة الصحبة الصالحة .. الحمد لله.