يقظة أحلام


on , ,

No comments

يقظة أحلام

أن تقابل من يذكرك بمكانك المفضل، من يشبه عطره رائحة البحر في ليلة ربيع مُعبأة بالنجوم في طياتها وسماواتها. أن تجلس مع من يتحدث بعبارات ترسُم في أفكارك رواية من روايات كاتبك المفضل، وهو يتحدث دون علمٍ بهذا التنويم المغناطيسي الذي يهبط عليك فجأة، فتصبح كأن الكلمات كانت لك كالخمر التي أفرطت في احتسائها ثم ضللت الطريق إلى نفسك. أن تنظر إلى من يُذكرك وجهه بجمال القهوة التركية التي تبعث رائحتها بإحساس أنك في عالم لا هو هنا ولا هو هناك. أن تتأمل صمت شخصٍ تُحبّ وإذا بصمته يتحوّل إلى كمانٍ في يدِ طفلٍ في العاشرة من عمره، فتتحول كل إيماءة صامتة أو نظرة ساكنة إلى نغمة تُعزفُ بإصبعٍ من أصابع هذا الطفل الذي لا تعلم حتى من أين أتى وإلى أين سيمضي. أن تتأمل تلطُخ وجه طفل فقير فيتحوّل هذا اللون القاتم على بشرته إلى فرحٍ لا تسعُه أرض يقتلها شقاء شعوبها. أن تسمع كلمات طفلٍ عن عالمه فإذا بك ترسم لوحة بها من الألوان ما لا تتحمله نظرة البائس الشقي. أن تتحوّلُ نظرة حبيبك إلى قصائد لن يستطيع العالم أجمع تنظيمها وإلقائها، فتتحولُ أنت كالمسحور الذي لا يدري أهذا جنونٌ أم عقلانية، أم كما قال كاتبك المفضل "هو عقلنةُ الجنون".  أن تستيقظ في صباحك بواقعٍ تحسبه من خيالات أحلام اليقظة وإذا به كان واقعًا في أحلامك وتحقق في واقعك. أن تهبط هذه الأحاسيس جميعها في يومٍ كنت فيه في أمسّ الحاجة إلى بعضٍ من الحياة النقية الصافية، فإذا بها من فرط حدّتها تقتلك قتلة سرمدية تصبح فيها الميّت الحي.
ولكنك تشعر، رغم كل هذا، بأنها أفضل من موتٍ في حياة بلا حياة.



استحقاق


on , , , ,

No comments

استحقاق

إن لم أكن أنت، لا تتركني إليّ. أعطني نفحة من روح فقير، أو روح مريض، أو روح ذليل، لكن لا تتركني لكبريائي. لا تتركني لغطرستي وتصرفاتي التي لا أفهم كنهها ولا معناها وأبيت في تساؤلات تظل معي أعوامًا وليالٍ لا تنتهي دون أن أحصل على إجابات دافئة؛ جميع إجاباتي باردة أو خالية من التعسف والتأنيب. جلّ ما آخذه هو تربيتٌ على الكتفين أو على الظهر من نفسٍ تعجز عن نفض غبار النرجسية عن كتفيها بل تربت عليه ليمكث أكبر وقتٍ ممكن. ثم أنظر إلى من هم حولي فأرى كلماتهم التي قيلت عني من قبل ثم لم تفلح الأنا داخلي في نسيانها، وعجز قلبي عن الانصياع لها قبل أن يتوانى ويكسره الفتور ثم يتركه في أحشائي متريّثاً مترقبًا لحظة قد لا تأتي ما حييت. ويعجزني تساؤل أستمر في ترديده في أفكاري في ليلة ما .. أيقتلني الغرور؟ أيقتلني في منامي مثلًا بعد أن أكون قد استنزفت أفكارًا أحاول بها العودة إلى المسار القديم الذي ملأتهُ الحياة بالممات بعد انحرافٍ مني إليّ بالشكل الذي آل بي إلى الوصول إلى ما أنا فيه؟ أيقتلني في تلك اللحظة الأخيرة التي أحاول فيها العدول عن نسيان أو تناسي أو تجاهل أفكارٍ يخسفها التكبر فأصبح، أو يُخيّل إليّ في آخر نفحة هواء أستنشقها، أنني نجوت بفكرة أو بلحظة؟

أأموت شهيدة فكرة لا أستحقها؟

انتفاء روح واغتراب جسد


on , , ,

No comments

انتفاء روح واغتراب جسد



تنفيني نفسي من الداخل، فأسافر منها لأعود كما لو كان لي وطن أحن إليه فأعود شخصًا آخر. ثم تنفيني مرة أخرى وأعود فتعيد الكرّة مرارًا وتكرارًا حتى يُخيّل إليّ أنني لن أصبح من تريده ولن نتفق مدى الحياة، وربما نتفق لحظة الموت الأخيرة فقط فتكون كافية لحل هذا الصراع بهدوءٍ أخير قبل سكون أبديّ. وقد نلتقي في مفترق الطرق فيفضل كل منا استكمال مسيرته وحده، فإن الوحدة تشفي أحيانًا، أو يُخيّل لنا هذا. ويقول كلٌ منا لنفسه ألا تحزن فإن الله معها. وأحيانًا قد نسلك نفس الدرب ونمشي الهوينا أو يزيد واحد منا من سرعة خطواته حتى لا يلحقه الآخر وحتى لانلقتي أبدًا. ثم إذا تساوت سرعاتنا لا يدور بيننا حديث واحد ويطبق كلانا بالصمت كما الغريب بين أربعة جدران بينما يسود الغربة والرهبة والتحفز هواء الغرفة. المهم أننا لا نلتقي، والأهم أننا لا نتفق. والمهم أيضًا أن يعيش كلانا بحثًا عن الآخر بينما هو يسير بجانبه ولكن التظاهر أعمى والتضليل أعمى والكذب أعمى والخداع أعمى وفقر النفس أعمى. ولكن العمر كله أعمى

غُربة


on , ,

No comments

غُربة

الشوقُ غربة، والخوفُ غُربة، والصمتُ غُربة، والوِحدةُ غُربة، واليأسُ غُربة، والعجْزُ غربة، والكذبُ غُربة .. 


والطُمأنينة وطنٌ ليس له وجود.


لِمَ لا يا وطن؟


on , , ,

No comments

لِمَ لا يا وطن؟


تأخذني، تأخذني إلى حيث لا أعلم، إلى حيث لا أريد أن أعلم. تأخذني إلى عالم ليس أقل كآبة من هذا العالم الذي أعيش فيه، من هذا الواقع الذي يطاردني حتى في الأحلام فلا تصبح كوابيسًا توقظني ولا تصبح أحلامًا تُمتّعني، وإنما تصبح واقعًا مؤلمًا في لذة نومٍ كاذبة واهية. تمسك بيدي وتسحبني إلى طريق ناءٍ خالٍ من الإنس ومُعبّأ بأفكار لأناس عاشوا وماتوا هنا ولم يشعر بهم أحد. تأخذني على أمل أن أستجمع قواي وأنتشل هذه الأفكار من هذا المكان قبل أن تموت هنا وحدها مع صاحبها الذي أصبح عظامًا تحت التراب. تربّت على كتفي كمن هو على استعداد لدخول معركة لا يعلم من له النصر فيها. ثم تتركني، تتركني هنا، وحدي تتخبطني أمواج هذه العواصف الفكرية التي تأبى أن تهدأ لتستقرّ في داخلي، وكأنها تشعر أنني لصٌ ليس إلا.
ثم لاأدري ما الذي جاء بي إلى هنا ولمَ لم أهرب إلى مكان هادئ يبعث السكينة والطمأنينة في داخلي بدلًا من أن أصارع أفكار العالم، وهل لي من الطاقة ما يعينني على استيعاب أفكار الآخرين مكومة فوق أفكاري؟ هل لي من مُعين؟ لست أدري.
ثم أبدأ في العدو، أركض وأركض بلا توقّف حتى أطرد أفكاري أو أعيرها إلى وطنٍ يصحو ويغفو على أفكار حالكة مؤلمة يقتلني بها مع الصباح الباكر حتى ظلام الليل. ولِمَ لا؟ لم لا أعيرها إلى وطني؟ لم لا أعيره بعضًا من آلامي التي تنبع من أفكاره الحالكة التي أُقتل بها على مدار عمري حتى يقتلني القتلة الأخيرة، وأموت إلى راحة أبدية.
لمَ لا يا وطني؟ فلتأخذ بعضًا من آلامي كما تقتلني بالكثير من لياليك الحالكة التي أُحبس فيها وأموت موتًا بطيئًا.
أو اقتلني الآن مرة واحدة مؤلمة فهي أفضل من ميتات عديدة بطيئة عديمة الألم.

لمَ لا يا وطني؟

صمتان متقاطعان


on

No comments


صمتان متقاطعان


لملمني في كلماتك عندما يعجز لساني عن النطق، ثم لملمني في صمتك عندما أتحدث بكلماتٍ لا معنى لها. أفرِغ صبرك عليّ عندما لا أدري ما أريد وعند طمعي في الحصول على الدنيا وما فيها.
حدّثني بكلمات فيها من الجنون ما فيها من الحكمة والسكينة والطمأنينة حتى أُدرِك أنني لستُ المعنيّ الوحيد بالجنون. حدّثني عن قصص لا معنى لها ثم عن قصص فيها من المغزى ما تدمع له عيناي، ثُم اتركني أبكي على ما لم أعلمهُ من هذه الدنيا، أو ضمّني إليك عند احتياجي لهذا الاحتواء المتكامل كي أعود إلى أرض الواقع بعد ابتلاعي لآخر دمعة على شفتاي. مُدّ إليّ يدك كي تسحبني من خيالاتي التي تبتلعني أحيانًا إلى حد أنّي يغلبني التيه فلا أعلم من في واقعي ومن لم يخرج من خيالي، أو اتركني قليلًا قبل أن تسحبني كي أستمتع ببعضٍ من الضياع لكي أعود من جديد. حدّثني عنك بينما تُحدّق في أعماقِ أعماقي كي أعلم عنك بكلماتك وتعلم عنّي بصمتي فينشأ بيننا نصف حديث وحديثٌ كامل في نفس اللحظة. افصح لي من أسرارك ما لم تُفصح به لأحدٍ ثم عاملني كالغريب الذي يخاف أن ينطق فتنكشف روحه في كلمة.
حدّثني بلا انقطاع حتى أنسى ماهيتي وأنسى ما أريده من العالم من حولي، وأنسى ذلك الكمّ من الحزن الذي يتوغّلني كل ليلة تحت أغطيتي الشتوية التي تبتلع كياني فتأخذ كل ما يعبّر عن سعادتي، ثم تعطيني الحزن الذي لا يظهر إلا مع اختفاء ضوء القمر من غرفتي وحلول الهدوء الباعث للجنون في شوارعي المحيطة. حتى يبدأ صخب أفكاري وجنون تخيلاتي التي لا أستطيع أن أرسم حدودها، فتبدأ هي في رسم حدودها على جسدي ثم ذاكرتي ثم كآبتي. وتعطيني من الألوان ما هو أزرق ليليّ وأبيض قمريّ وأسود حالك، وتتركني بذكريات لا لون ولا عُمق لها، ثم بكلمات بلا معنى كهذي. ثم تتركني أغرق في صمت قاتل.
لا تترُكْني.
حدثني عن المزيد منك، عن ما تُحب وتكره، عن ما يستدعي صمتك وما يستدعي انقاذك لي من صمتي. حدثني عن من أنت علّني أعرف شيئًا عن نفسي. احكِ لي عن ذكرياتك الملوّنة علّها تبعث الإحساس والألوان لذكرياتي فيصبح في ليلي ألوان أخرى لا تقتلني كلما تلحّفت في غطائي. حدّثني عن الأحلام، أحلام الليل لا أحلام اليقظة التي كثيرًا ما تكون مليئة بالحُزن. حدّثني عن البدايات والنهايات والمتناقضات والمتشابهات والدفء والرعشة، عن رعشة الحبيب وعن دفء الغريب. احكِ لي عن حزن القريب وفرحة الغريب. حدثني عن كل شيء. عنك وعنّي وعن الدنيا وعن ما ليس في الدنيا، عن الأموات والأحياء والوجود والعدم. حدثني عن.. عن ماذا؟ عنّا.
لعلّني في يومٍ ما أكتشف من أنا، أو كما يقول درويش. علّني في يومٍ ما "أصيرُ ما أريدْ."


كنتُ فيك


on

No comments

كُنتُ فيكْ


أردتُ أن أتحرر من قيد لا يُرى، من نفسٍ لا يشعر بها أحد من هول ما تُخفيها الذنوب والخطايا وتتخطّفها أمواج الدنيا التي هي كالبحر تسحب أمواجُه كل ما يقابلها من صغير أو كبير. أردتُ أن أركض وأعدو حالما تحتلّني أفكارٌ هي كالعدوّ أقرب منها إلى الصاحب الذي يساعدني على العودة إلى نفسي، لعلّ شدة اندفاع الهواء على وجهي وتخلله داخلي يطرد هذه الأفكار ويُبعدها عني فينفُضها كما لو كانت كائنًا غير مرغوبٍ فيه وسط زحام قاتل. أردتُ أن أترك ورائي شيئًا ما، شيئًا لا ينساه كائن من كان، شيئًا لم أعرف ما هو، ولكنني كنت أعرف ما أريد. أردت في لحظة ما أن أصبح ربيعًا يتذكره من يكره الصيف وينتظر الشتاء بشغف ولهفة، ثم تذكّرتُ أنه ليس إلا فصلًا لا يتذكر نعمته الكثيرون. وقررتُ أن أصبح كتابًا، نعم، كتابًا. أردتُ أن أحيا، بكل كلمة فيه، في نفس كل من عرفتهم أو لم أعرفهم. تمنيت أن ألقي بأحرفه الواحد تلو الآخر على عالم ينسى أن الكلمات تُنقذنا كما تؤذينا، فهي نورٌ وبعضُها لنا قبور. ثم قررت أن أصبح كتابًا يملؤه الغضب والجنون والتردد والسكون والصمت. سأضُم كلمات صامتة وغاضبة، كلمات هادئة وعاقلة ثم مجنونة ومرتبكة. سأعطي كلمات مفهومة ثم كلمات لا معنى لها، أو قد يكون لها معنى لشخص واحد فقط في هذه الدنيا. سأغضب وأنفجر داخل أوراقي وصفحاتي التي ستتحملني بكل قوتها وضعفها، وستتكبّد حُزني وفرحي وأمنياتي ويأسي ربما في صفحة واحدة. سأكتبني في آخر السطر إنسان وفي أول السطر محاولة للوصول للإنسانية بالمعنى السليم. سأُحرّكُني من مكان إلى آخر وأتنقل بين صفحاتي إلى عالم لم ولن يراه إلا من يقرأني من داخله وليس فقط من يقلب صفحاتي كأي كتاب تملؤه الكلمات بفراغها المُهلِك. سأُغنّي بكُل أغنيات الزمان ثم أبكي بكل دمعة ماتت قرب شفاه الحزين الذي لم يشعر به أحد، ثمّ أنفرط في البكاء بجانب آخر كلمة في صفحتي التي ساُنهي بها فصلًا وأبدأُ آخر بعد الهدوء الذي يلي هذا الحزن، وسأتظاهر بأن القارئ ضمّني إليه واستمع إلى الدموع تسقط من أول الصفحة إلى آخرها. بل وسأتيقّن بأن قارئي ملأته الإنسانية التي كانت في صفحاتي حتى إنه قام ليمسح دموعه معي قبل أن يبدأ فصلًا جديدًا أكون أنا فيه قد نسيتُ سبب بكائي. سأُجنّ من كثرة الكلمات التي أريد أن أقولها ومن كثرة الصمت الذي أودّ أن أملأ به صفحاتي، فلا تكون فارغة ولا تكون معبّأة بالتفاصيل غير المفهومة. سأترك مساحتي المعتادة وأضع كلماتي على هامش الصفحات، أو أكتبها مقلوبة كما تصنع فينا الحياة أحيانًا. سأكتبها تارة بخطّ يُرى وتارة أخرى قد لا تكشفها عين الرائي ولكن قلب القارئ، وتارة بخطّ مائل يوحي بانحرافي عن مبدأ تمسّكت به ثم تركته لسبب لا يُبرر. سأكتُب حتى يعجز القلم والقلب عن البوح بكل ما في داخلي ويحتجّ الصمت من كثرة كلماتي فيرجوني أن أترك له صفحاتي الآخيرة ليُكمل ما بدأتُه ووعدتُه به. فأترك الصمت يبدأ بالوداع وينتهي حيثُ أنتهي أنا.


ثُم أكتب عنواني على الغلاف الخارجي: "كنتُ فيك"