نصف واقع ونصف خيال


on , ,

No comments

نصف واقع ونصف خيال


رُفِعت أقلامهم ولكن لم يجفّ حبر قلمي وعجز عن التزحزح عن مكانه. وقف متسمّرًا، عاجزًا عن الكتابة وغير قادر على رفع نفسه في نفس الوقت. صمَت الجميع إلا أنا، ظلت كلماتي تتردد في جو الغرفة، لا أستطيع إرغامها على السكوت ولا أستطيع منع نفسي من التفكير.
أهرب إلى مكانٍ آخر، أنفض الكلمات عني. أستنشق هواءً مليئًا بالصمت، فراغات معبأة باللاشيء. أتمنى في لحظة ما أن أكون ذلك الشخص الذي رأيته وأنا في طريقي إلى فكرة تترامى تفاصيلها المرهقة على أطراف ذاكرتي، أتمنى أن أكون ذلك الشخص الذي يسير وفي أذنيه نغمات من الموسيقى التي تبعث له أفكار مؤلفيها، فيرحل من عالمه الثقيل المرهق إلى عالمٍ لا هو في الخيال ولا هو واقعي، نصف واقع ونصف خيال، أو العكس.
أتمنى أن أكون وألا أكون، أن أصبح إنسانًا بلا قيمة في أفكاره وبلا معنى في كلماته. أريد أن أترك المعاني ولو في فكرة واحدة (والفكرة بلا معنى بالتأكيد لن تكون فكرة) وأتحدث بما يفيض به قلبي وعقلي من الفراغ السحيق، حتى أتنفس الصعداء وأبدأ مرة أخرى طريقًا جديدًا كما لو  كنت بُعِثتُ من جديد.
لأموت من جديد؟
أيبعث المرء إذن من الموت إلى الموت ويعيش للموت؟

إذن أعطِني فكرة..

الجهلُ وطنْ


on ,

No comments


الجهلُ وطنْ


قاطعتني بكلمات كانت تتمتمها ثم أصرّت على اقتباس عبارة من عباراتها المفضلة التي قرأتها في كتابٍ ما لا تتذكر عنوانه. وإذا بها تنظر إليّ ثم تقول "الجهل وطنٌ والوعيُ منفى". لم أستوعب كيف كان لها أن تربط بين هذه الكلمات وبين ما كنا نتحدث عنه منذ البداية. ولكنّي لزمت الصمت برهة اعتقدت فيها أنني سأفهم أو أدرك شيئًا مما تعنيه. إلا أنني لم أفهم.
قاطعتُها أنا هذه المرة بأن وقفتُ فجأة بعد أن راودني شعور بالجهل فلم أدرِ ما إذا كان هذا هو مغزى العبارة هنا بالتحديد أم لا. شعرت وقتئذٍ بالجهل دون الوطن. ثم تركتها ومضيتُ نحو باب المنزل وخرجت وهي لا تزال جالسة كما هي، وكأن لها وطنًا غير وطني. أو كأنها عرفت كيف تجعل من الوعي والوطن مترادفان وليس نقيضان.
سرتُ إلى الخارج ثم بدأتُ أهروِل بلا سبب حتى وصلت إلى الشوارع الفسيحة ثم إلى الطرقات، وصولًا إلى أزقّتي المفضلة، تلك التي اعتدت السير فيها لأترك المساحة لأفكاري أن تتخلل جدرانها المتلاصقة الملطخة بما يسمّونه فنٌ وما هو إلا تعبير عن أفكار  مبعثرة غير منتظمة من أشخاص بيحثون هم أيضًا عن وطن. ولكنه وطنٌ مُعبأ بالجهل والخوف والفزع.. ويسمونه وطن.
سرتُ أترك لأفكاري المساحة الكافية لتُحوّل هذه الأزقة التي أكاد أستطيع السير فيها إلى شوارع متزاحمة بكلمات وعبارات، منها المترادف والمتناقض. أحدّث نفسي بكل كلمة تندرج تحت سماء الوطن والمنفى: غربة، استوطان، هجرة، هروب، لجوء، احتلال.. وأستمر في السير والوصول إلى سؤال ثم آخر ثم ثالث ورابع، ثم يبدأ تركيزي في التلاشي.
فأبدأ في حفظ بعض الأسئلة التي لن أعلم بعد هل سأجد لها إجابات أم لا.
ما هو الوطن؟ وما هي الغربة؟ هل الغربة والمنفى خطان متوازيان لا يلتقيان؟ أم هما الغربة والوطن؟ هل هناك كلمات دقيقة لوصف أيٍ من هذا أم هي مسألة نسبية لكل إنسان.
يرهقني التفكير. بل يستنزفني هذا النوع من الأفكار وتخور قواي من الخارج للداخل فتتحول الشوارع التي يهيأ لي أنها شوارع فسيحة إلى طرقات تضيق وتضيق حتى تعود إلى حالها الواقعي، أزقة.
أهرول مرة أخرى لأعود إلى شوارع فسيحة ولكن بدون أفكار. أتركني لأفقد الإدراك عن قصد لأنسى كل هذا وأعود إلى نقطة البداية عند.. عند ماذا؟ متى بدأت وإلى إين انتهيت أم أنني لم أنتهِ بعد. متى أكون قد أنهيت كل هذا؟ أعند وصولي إلى إجابات لجميع هذه الأسئلة أم أن القدر لا يفرض عليّ العثور عليها جميعًا في وقتٍ واحد. ولكن هل سيكون هذا نهاية العقلانية؟ بداية الجنون؟
هل معرفة معنى الوطن جنون؟ أم هو غربة؟
ثم تذكّرت. تبًا لهذه الذاكرة المؤلمة. تذكرتها. تركتها وهرولت دون أن أنطق بكلمة. ولكنني أجزم أنها أدركت مقصدي عندما فتحتُ الباب على مصراعيه وتركت كل شيء خلفي.
أتُراها أدركت جميع هذه الإجابات فكفّت عن النزول على الدرج مسرعة كذي قبل وعلمت معنى الوطن فانتفت أو نفت نفسها؟ أتُراها انعزلت لأنها تدرك ما هو الوطن فنفاها هو؟
عدتُ فوجدتُها كما هي. نظرت إليّ بابتسامة شاحبة ثم قالت
"لا تخبرني، يكفيني منفى واحد".


استنزاف


on , , ,

No comments

استنزاف


أدور في حلقاتٍ مُفرّغة، أتمتِمُ بكلمات قيلت من قبل ولم تجد لنفسها مساحة كافية بمحاذاة أفكاري المتزاحمة في الداخل. أُرددُ جُملًا وعِبارات أعجز أنا أيضًا عن فهمها. أستمع لمن حولي يرددون هم كذلك عبارات غير مفهومة. أستلقي بعرض الطريق لأشاهد نجوم السماء التي لازلتُ أحاول العثور عليها وعدّها حتى تفوق عدد أصابع يداي على الأقل. أبدأ في العدّ، أحوّل عيني يمنة ويسرةً، ولكن بلا جدوى. يتبدد الأمل على هذه الأرض، على هذا الطريق. فأقفز في لحظة وأترك هذا المكان الحزين، وأمضي. إلى أين؟ لا أدري. ربما إلى الفراغ السحيق، إلى أرضٍ جرداء قاحلة تخلو منها الحياة تحت قدماي، علّني أجد بها حياة فوقي. ولِمَ؟ لأُسكِن بها تلك الأفكار والعبارات كي تعطيها شيئًا من المعنى، قليلًا من المعنى، وأتخلص أنا من هذا الزحام القاتل وهذه الأصوات الصاخبة في أعماقي. أريد هدوءً ولو لليلة واحدة تأخذ فيها النجوم أفكارًا ترهقني. أو تسرقها الشُهب وتحرقها معها، وتتركني أنا المشاهد المتفرج المعنيُّ بهذا كله والهارب الشارد على أرض وإلى سماءٍ ليستا له. أسرق إحساسًا من أرضٍ ليست بأرضي وأترك سماءً تسرقني كما وكيفما تشاء. أستلقي على الأرض، أعتقد أن بها بعضًا من ندى الفجر، لا يُهم، لا يُهم. أنظر للأعلى. أكاد لا أرى السماء من كثرة النجوم. أغمض عيناي. أحس الأرض تبتلعني والسماء تستنزف قواي بدفع هذه الأفكار مني. ولكنه استنزاف قبل تنهيدة أخيرة كما لو كانت إعادة إحياء. أتركني مغمض العينين لوهلة، ثم أنسى. أنسى كل شيء. أنسى من أنا وإلى أين أمضي ومن أين أتيت. شعورٌ بفقدان الإدراك. أفقد القدرة على التعرّف على الأشياء من حولي تمامًا من هول تلك الحالة. أظل كما أنا في ما يشبه الاستمتاع بالتيه، أضلّ الطريق إلى عالمي الحقيقي وأشعر بشيءٍ من الطمأنينة في هذا الضلال. أتجاهل كل شيء. ثم أغطُّ في سُبات عميق لا أدري متى أستفيق منه إلى حالة استرداد إدراكي مرة أخرى.

فقدان إدراك. 

يقظة أحلام


on , ,

No comments

يقظة أحلام

أن تقابل من يذكرك بمكانك المفضل، من يشبه عطره رائحة البحر في ليلة ربيع مُعبأة بالنجوم في طياتها وسماواتها. أن تجلس مع من يتحدث بعبارات ترسُم في أفكارك رواية من روايات كاتبك المفضل، وهو يتحدث دون علمٍ بهذا التنويم المغناطيسي الذي يهبط عليك فجأة، فتصبح كأن الكلمات كانت لك كالخمر التي أفرطت في احتسائها ثم ضللت الطريق إلى نفسك. أن تنظر إلى من يُذكرك وجهه بجمال القهوة التركية التي تبعث رائحتها بإحساس أنك في عالم لا هو هنا ولا هو هناك. أن تتأمل صمت شخصٍ تُحبّ وإذا بصمته يتحوّل إلى كمانٍ في يدِ طفلٍ في العاشرة من عمره، فتتحول كل إيماءة صامتة أو نظرة ساكنة إلى نغمة تُعزفُ بإصبعٍ من أصابع هذا الطفل الذي لا تعلم حتى من أين أتى وإلى أين سيمضي. أن تتأمل تلطُخ وجه طفل فقير فيتحوّل هذا اللون القاتم على بشرته إلى فرحٍ لا تسعُه أرض يقتلها شقاء شعوبها. أن تسمع كلمات طفلٍ عن عالمه فإذا بك ترسم لوحة بها من الألوان ما لا تتحمله نظرة البائس الشقي. أن تتحوّلُ نظرة حبيبك إلى قصائد لن يستطيع العالم أجمع تنظيمها وإلقائها، فتتحولُ أنت كالمسحور الذي لا يدري أهذا جنونٌ أم عقلانية، أم كما قال كاتبك المفضل "هو عقلنةُ الجنون".  أن تستيقظ في صباحك بواقعٍ تحسبه من خيالات أحلام اليقظة وإذا به كان واقعًا في أحلامك وتحقق في واقعك. أن تهبط هذه الأحاسيس جميعها في يومٍ كنت فيه في أمسّ الحاجة إلى بعضٍ من الحياة النقية الصافية، فإذا بها من فرط حدّتها تقتلك قتلة سرمدية تصبح فيها الميّت الحي.
ولكنك تشعر، رغم كل هذا، بأنها أفضل من موتٍ في حياة بلا حياة.



استحقاق


on , , , ,

No comments

استحقاق

إن لم أكن أنت، لا تتركني إليّ. أعطني نفحة من روح فقير، أو روح مريض، أو روح ذليل، لكن لا تتركني لكبريائي. لا تتركني لغطرستي وتصرفاتي التي لا أفهم كنهها ولا معناها وأبيت في تساؤلات تظل معي أعوامًا وليالٍ لا تنتهي دون أن أحصل على إجابات دافئة؛ جميع إجاباتي باردة أو خالية من التعسف والتأنيب. جلّ ما آخذه هو تربيتٌ على الكتفين أو على الظهر من نفسٍ تعجز عن نفض غبار النرجسية عن كتفيها بل تربت عليه ليمكث أكبر وقتٍ ممكن. ثم أنظر إلى من هم حولي فأرى كلماتهم التي قيلت عني من قبل ثم لم تفلح الأنا داخلي في نسيانها، وعجز قلبي عن الانصياع لها قبل أن يتوانى ويكسره الفتور ثم يتركه في أحشائي متريّثاً مترقبًا لحظة قد لا تأتي ما حييت. ويعجزني تساؤل أستمر في ترديده في أفكاري في ليلة ما .. أيقتلني الغرور؟ أيقتلني في منامي مثلًا بعد أن أكون قد استنزفت أفكارًا أحاول بها العودة إلى المسار القديم الذي ملأتهُ الحياة بالممات بعد انحرافٍ مني إليّ بالشكل الذي آل بي إلى الوصول إلى ما أنا فيه؟ أيقتلني في تلك اللحظة الأخيرة التي أحاول فيها العدول عن نسيان أو تناسي أو تجاهل أفكارٍ يخسفها التكبر فأصبح، أو يُخيّل إليّ في آخر نفحة هواء أستنشقها، أنني نجوت بفكرة أو بلحظة؟

أأموت شهيدة فكرة لا أستحقها؟

انتفاء روح واغتراب جسد


on , , ,

No comments

انتفاء روح واغتراب جسد



تنفيني نفسي من الداخل، فأسافر منها لأعود كما لو كان لي وطن أحن إليه فأعود شخصًا آخر. ثم تنفيني مرة أخرى وأعود فتعيد الكرّة مرارًا وتكرارًا حتى يُخيّل إليّ أنني لن أصبح من تريده ولن نتفق مدى الحياة، وربما نتفق لحظة الموت الأخيرة فقط فتكون كافية لحل هذا الصراع بهدوءٍ أخير قبل سكون أبديّ. وقد نلتقي في مفترق الطرق فيفضل كل منا استكمال مسيرته وحده، فإن الوحدة تشفي أحيانًا، أو يُخيّل لنا هذا. ويقول كلٌ منا لنفسه ألا تحزن فإن الله معها. وأحيانًا قد نسلك نفس الدرب ونمشي الهوينا أو يزيد واحد منا من سرعة خطواته حتى لا يلحقه الآخر وحتى لانلقتي أبدًا. ثم إذا تساوت سرعاتنا لا يدور بيننا حديث واحد ويطبق كلانا بالصمت كما الغريب بين أربعة جدران بينما يسود الغربة والرهبة والتحفز هواء الغرفة. المهم أننا لا نلتقي، والأهم أننا لا نتفق. والمهم أيضًا أن يعيش كلانا بحثًا عن الآخر بينما هو يسير بجانبه ولكن التظاهر أعمى والتضليل أعمى والكذب أعمى والخداع أعمى وفقر النفس أعمى. ولكن العمر كله أعمى

غُربة


on , ,

No comments

غُربة

الشوقُ غربة، والخوفُ غُربة، والصمتُ غُربة، والوِحدةُ غُربة، واليأسُ غُربة، والعجْزُ غربة، والكذبُ غُربة .. 


والطُمأنينة وطنٌ ليس له وجود.