كتابة في عجز


on , ,

1 comment


كتابة في عجز


أردت أن أكتب أول كلمة تسقط على أصابعي ثم تهرب من القلم. أردت أن أتركها تهوى بشكل هستيري حتى وإن لم تصل إلى أوراقي، ولكنني كان يجب أن أتركها. أردت أن أكتب كل شيء. تمنيت للحظة أن تتدافع الكلمات كلها في نفس السطر فيصبح الكلام كله بلا معنى، أو أن تنزلق ويتراكم بعضها فوق بعضٍ فأغمض عيني لمرة منذ زمن طويل فقدت فيه الإحساس بالوقت.
وإذا تساقطت الكلمات كلها لتعبر عن العجز عن الكتابة، فليكن. فليسقط الحبر كله في أقصى يمين الورقة فتصبح الكلمات كلها كدماء سالت وتكونت كبقعة كبيرة على حافة الحياة، يجذبها الموت قليلًا قليلًا كلما كبُرت البقعة أكثر. حتى تفقد الحياة تمامًا، وكأنني لم أكتب شيئًا.
فلتُكتب كلمات مثل الضعف والانحناء والترهات والحب والخداع والضياع والابتلاء والفقد. فلتتراكم فوق بعضها لتتركني ولو للحظة واحدة في صمتٍ جاف، في فراغ كونيّ سحيق ليس له أبعاد ولا نهايات. حتى وإن لم تترك لي شيئًا من متناقضاتها، أحيانًا الأفضل ألا نشعر بشيء على الإطلاق.
فإنني لم أعد أقدر.
لم أعُد أقدر على شيء من هذا ولا ذاك.
لا صمتًا يحمل الكثير من الكلمات ولا كلماتٍ مجوفة خالية مما نشعر به بالفعل.
لم يعُد بوسعي أن أكتب وأنا أعلم أن كلماتي كُتبت في مكانٍ ما من قبل، بقلم شخص آخر كان يشعر بما أشعر به الآن. لم يعُد شعوره أو شعوري بأنني لست وحيدة يعطيني من العزاء ما كنت أحسه من قبل. ثم إنني لن أقدر على التعبير عمّا عبّر به هو بشكلٍ أفضل مني أو بكلماتٍ تخللت أصابعي حتى وصلت إلى قلب أفكاري، وآل بي الحال إلى تمزيق أوراقي وقتل كلماتي قتلًا رحيمًا حتى لا تظل في صراعٍ معي إلى وقتٍ غير معلوم.
ولكنني رغم كل هذا كتبت وظللت أكتب حتى تسمّرت أصابع يداي على حالها وتوقف القلم عن إهدار حبره في كلماتي. كتبت علّ شيئًا مما كتبته يتركني أو يطلقني إلى فكرة أخرى تبدأ رحلتها الطويلة في التلذذ في تعذيبي حتى أنطق بها هي أيضًا في مكانها الصحيح. ومع أنني لم ولن أعرف أبدًا إذا كنت أطلقت أفكاري في مكانها وزمانها الصحيحين، إلا أنني لا أنكف أكتب وأعافر للعثور على كلمات دقيقة في معناها حتى تصل إلى قلب القارئ كما لو كان هو الكاتب وأنا لست إلا فكرة سنحت لنفسها أن تشق طريقًا داخل سلسلة أفكاره.
كم أنّ الكُتّاب مُعذّبون. لا تعبّر كلماتهم عن نصف ما يجول في داخلهم ولا تصل إلا إلى عدد لا يفوق أصابع يدٍ واحدة من من يقرأون لهم.

ولكنهم لا ينكفّون عن الكتابة.

The Everything of Nothing


No comments

I had a moment of wanting to quit everything, of leaving whatever I am going or willing to feel aside and just sit there crouching in my bed doing what is best called the everything of nothing. I wanted to forget, to leave it all, to pretend that the world is not crushing and is soon ending, perhaps even the moment I wake up. Who knows. It was a very short moment, maybe even a split of a second before I awoke and realized I'm not that person anyway. I knew I was soon to give up, and giving up in my case meant standing and doing something. But I felt some kind of a massive headache rush through me, that rendered all my body motionless, as if my blood pressure went suddenly down to my knees, and everything felt so, so heavy. And I was somehow anesthesized unwillingly. I fought it, but it didn't fight me back. It really didn't have to, because that was what it is; some things don't even need to fight you back; you just accept them until they take their turn and then maybe they will leave you soon after you realize you gotta accept that moment to let it pass. I regained my balance, stood next to my books, they looked me in the eyes, and I started weeping, weeping like a child who lost something very precious but to grown-ups it was "childish." Things were too much on me. The heaviness of the world was in these books, and I felt like I could spend God knows how many hours reading them until I can finally feel again. I looked at each one of them, gave them a gentle touch with my fingers, like a pinky promise to come one day. And I left. I left to breathe some air and to accept what has been done to me by myself. I tried to think of moving on but it would only mean running away. And I have no power for running away from everything that keeps haunting me anyway. 
I went outside and took a deep breath looking at the sky above me, before I finally closed them and whispered.
It is going to go away some day.

طمس الحقيقة


on , , , ,

No comments

طمس الحقيقة

أحببت ذلك الوقت من اليوم، من الصباح. ساعة ما بعد موت يومٍ وحياةُ يومٍ آخر. يومٌ جديد لم تتّضح معالِمهُ بعد. اعتدتُ دائمًا أن أرقُب تلك البداية، كيف ينزوي ظلامٌ حالك ويبهت لونُ السماء ثم يصير شاحبًا حتى يتلاشى بالكامل، فيظهر بين ذلك الشحوب وبزوغ الشمس لونٌ ثالث. تحسّ أنك في عالمٍ موازٍ للحظة، ثم تعود إلى الواقع.
توّد أن تظل هناك حتى وقتٍ غير معلوم، كما لو كنتَ بين الموت والحياة، لأنه التوقيت الوحيد الذي تُصنع فيه القرارات المصيرية التي تُغيّر مجرى كونك وكينونتك.
جلست هناك، على تلك الصخرة حيث يمكنني رؤية أشعة الشمس لحظة بزوغها وحيث أستطيع أن أسحب نفسي من أي عالمٍ أنا فيه وأذهب إلى عالمٍ آخر بملء إرادتي. عالمٌ انتظرت لحظة إعادة إحيائي فيه منذ زمن.
وبدأت أكتب..
كتبتُك في أول الصفحة عُنوانًا بخط النسخ. ثم توقّفت.
مسحتُ ما كتبته. ترددت لحظة ثم مزّقت الورقة ووضعتها بجانبي. بدأتُ من جديد.
كتبتُك لا اسمًا ولكن حرفًا بخطٍ عشوائي في منتصف أعلى الصفحة. عين.
ثم من أول السطر،
"هذه ليست قصة داخل قصة، فكّر ما شئت، المهم أن تترك للواقع شيئًا ما، فلكل قصة مساحة في الواقع كمساحتها في الخيال.
اخترت أن أضعك في كلماتٍ لأن الذاكرة قد لا تسعف مع الوقت، ولأن العُمر قد يُنسي والقلبُ قد ينسى ولكنّ شيئًا ما لا ينكسر. ذلك الشعور بأن الراحلين موجودون في مكانٍ ما على هذه الأرض، في هذه المدينة أو في مدنٍ أخرى لا تعلم لها اسمًا ولا تدرك لها مكانًا على الخارطة.
أردتُ أن أكتُبك حتى تمكث قليلًا في مكانٍ ما، لأنك دائم الترحال حتى وأنت هُنا.
كتبتُك بألوانٍ كثيرة. وبأشعارٍ ليس لها عدد. كتبتُك من أول القصة، قصّتنا. وعرفتُ أن من يقرأها سيظنّ أنها قصة حبٍ لم تتكرر من قبل. ثم مزّقتُ كل شيء وبدأتُ من جديد، لعلمي أن الناس لا يدركون من الحب إلا ما بين رجلٍ وامرأة. نسوا أن الحُب لا يُحدّد بإطار كهذا. نسوا فمزّقتُ أنا أوراقي لأذكرهم.
ينسى الناس فيذكرهم من ينسون أيضًا، من يكتبون لكي لا تخدعهم الذاكرة. مثلي
كتبتُك كما لو كنتَ ذلك الليل الحالك، ذلك الظلام الذي يجب أن يظهر  بعد تلاشي أشعة الشمس وظهور ليلة قمرية بها القليل من السُحب التي تترنّح بجانب ضوء القمر. ثُم رأيتُك في كلماتي يزداد اللون فيك قتامة ويزداد الألم حِدّة فتوقّفت.
لم أجرؤ على الاستمرار وأنت تزداد حُزنًا في قصتي.
ولكنني آمنتُ أن للطريق نهاية. فعُدت إلى حبري الأسود لأُكمِل ما بدأته.
أتردد كثيرًا ثم أعود. أكتُبك بلونٍ آخر لعلّ الليل يتحوّل إلى نهار، أو إلى شفقٍ برتقالي اللون مائلٌ إلى الحياة. أغيّر القلم على أملٍ لا جدوى منه أن يتغيّر  لونُك مع كتابتي. إلا أنك تظلّ كما أنت. تظلّ كما عرفتك وجهًا لوجه. لك شخصية حادّة صارمة لا يغيّرها لا لون قلم ولا قصّة خيالية ذات أبعاد تلاشت في الواقع.
فاستسلمت لك في قصّتي. تركتُ كلّ شيء في واقعي واختبأتُ بين كلماتي لأصل إليك كما أنت. ولأتخلص من هذا العالم الواقعي وأمكث في قصة قد لا تنتهي أبدًا. لا لأنني أريد العيش للأبد، ولكن لأنني أريد الموت في قصة. ميتة غير عادية، غير واقعية. ميتة تقتل بغموضها.
تركت حبري وقلمي وغرقت داخل أوراقي. تركت كلّ شيء لتحرّكه الرياح. وتبدأ قصتنا من جديد من حيث لا أدري.
لتكتبها أنت بألوانك، وأنسى أنا من أنا."


بداية الموت


on , , , ,

No comments


بداية الموت


فلنبدأ القصة من النهاية. من الوراء.
لنبدأ من الموت إذًا.
ذلك الشيء الغامض الذي نحاول اختراع جميع آلات الزمن من أجله، من أجل اكتشاف لغزه وحلّ طلاسمه. ونتعامل معه فقط كلغزٍ آخر من ألغاز الحياة التي يجب علينا اكتشافها، لا كشيء مبهم لن يُكتب لنا معرفته إلا إذا أخذَنا إليه بوعدٍ نقطعه بعدم العودة، شئنا أم أبيْنا.
لنبدأ القصة من الداخل. من تلك الآلام الحادة التي تتخلل الجسد المهترئ الهزيل الذي لا يقوى على قتالها ومقاومتها. يستسلم لها بملء إرادته وبدون إصرار. بسلام الأرض التي تخلو من الحياة.
ذلك الجسد الذي خانته الذاكرة ووهن العظم منه فعجز عن الحراك ثم سقط على فراش يشبه فراش الموت، ولكنه ليس فراش الموت بعد. هناك متّسع من الوقت ليصارع تلك الذاكرة. هناك بصيص من الأمل أن تأتيه لحظة من الماضي بكامل أبعادها وشخصياتها فيتسنّى له أن يبتسم ابتسامة أخيرة لن تكون جزءً من الحاضر، فقط فتاتًا من الماضي الذي سيكون هو الآخر جزءً منه قريبًا.
ذلك الجسد الذي اشتعل فيه الرأس شيبًا وهو يمضي ليبحث عن وجوه باتت في عداد النسيان. عن وجوه ملأت قلبه بالحياة في أحلك لحظات الموت. عن وجوهٍ كانت بها من كلمات عجزت البشرية عن تجميعها في قواميس لاستخدامها لمن هم في أمسّ الحاجة إليها مثله، لهؤلاء الذين سيحتاجونها ولن يشعر بهم أحد.
ثم لنذهبّ بالذاكرة إلى أبعد من ذلك بقليل. لنذهب إلى حيث تتّضح الرؤية قليلًا ويمكن للشفاه أن تتحرك لتقول كلمات معدودة كـ"كم هي قصيرة أعمارنا، وكم هو قاسٍ هذا الموت الذي دائمًا ما نظنّه بعيدًا خطوتين عنّا لنتظاهر بأننا قادرين على الاستعداد له، ولا يزال لدينا متّسع من الوقت لتصحيح أخطائنا".
لنذهب إلى حيث لا يزال لدينا متّسع من الوقت بينما نحن على غير وعيٍ به، إلى حيث تأتينا الفرصة وراء الأخرى ونتركها تكاسلًا أو تعمّدًا بينما تتردد "ليس الآن" على لساننا بشكلٍ اعتدناه حتى أصبحنا نلفظه تلقائيًا وبلا وعي منّا. فننسى فكرة الموت وننسى أن هدف الحياة ليس الحياة ولكن ما يتجاوزها.
ثم لننتقل إلى نقطة التحوّل في حياتنا. تلك النقطة التي تستقر عند لقاء الحبيب أو عند العثور على حلم يتكوّن في الواقع فيفضي علينا بسعادة لم نعهدها من قبل. فتتحول ألوان الحياة إلى درجات لم تكن موجودة من قبل أو لم تلحظها العين الحزينة والروح المعتمة. ويخيّل لنا أن شمس الصباح التي تخترق زجاج نوافذنا قد انقسمت وافترقت إلى شموس صغيرة تضيء جميع الأماكن المعتمة على هذه الأرض.
لنعُدْ بالزمن إلى الوراء أكثر. إلى أيام الشباب والرعونة. إلى حيث تكبر أمامنا الأحلام التي لا زالت صعبة المنال، وتتهالك الأفكار البسيطة الـ"ـعادية" وتُستبدل بأفكار مجنونة طائشة ولكنها مفعمة بالحياة. أفكار تصنع من صاحبها مخبولًا يريد أن يحتلّ العالم ليسيطر عليه بمعتقداتٍ يملؤها الفنّ، ذلك الفن الذي يصل بصاحبه إلى حافة الجنون.
وبعدُ فلنرتحل إلى عالمٍ مليء بألوان الطفولة. بكلمات ليس لها معنى ولكنها تحمل صدقًا ينساه العالم مع تقدّم العمر، ويتناساه الشيوخ إذ هرِموا وماتت لديهم معانٍ كثيرة لم تعُد تُشكّل الحياة. لننزلق من هذا الواقع المؤلم ونعود بالذاكرة إلى حيث تُسعفنا الذاكرة. إلى حيث نستمع إلى عبارات عفوية وبكاء أقسى أسبابه إضاعة لعبة الطفولة المفضلة.
لننسحِب من هذا العالم بهدوء الرضيع على صدر أمه، أو بهدوء الجنين في بطنها. لننسحب دون أن يشعر بنا أحد ودون أن تنهال الدموع على قبورنا. لنمضي في سلام قبل أن نزعج الأحياء الذين يصارعون حتى لا يرحلوا يوميًا معنا وهم يتنفسون نفس الهواء الذي تنفسناه ويمشون في الشوارع ذاتها التي مضينا فيها.
لننسحب كالأطفال على فراش الموتى. لننسلّ إلى ذلك العالم الآخر أطفالًا في أجساد شيوخ.
ولكن لنترك قليلًا من الذاكرة لهذا العالم الكئيب.

لنترك قصة تنتهي من مستهلّها.

وصية الفقد


on , ,

No comments

وصية الفقد
(الوصية الأخيرة)


ولدي الحبيب،
ليست هذه وصية الفقد لأنها الأخيرة، ولكن لأن البكاء هو قمة كل الأحزان وبعدها تستقرّ جميعها في مكانٍ ما في قلبك، بهدوء لم ترَهُ قبل هذا الانهيار. لن تنسى ولكنك ستتناسى لأن الحياة، وكما ستسمع منهم كثيرًا، تمضي وستمضي ولن تنتظرك حتى تُنهي حدادك على من فقدت وتفقد.
ليس شرطًا وجود أشخاص مع ذكر كلمة الفقد، فهناك من يفقد  شيئًا بداخله، هناك من يفقد روحه ولا يعثر عليها مجددًا. هناك من يفقد فنًا انزلق من أصابعه دون أن يشعر وتحولت حياته إلى مجرد دقات عقارب ساعة تمضي ليحيا دون ألوان ولا موسيقى، كفيلم داخل كاميرا قديمة مشوشة يكاد يُسمع فيها صوت الممثلون.
الفقد رغم آلامه يحيي فينا شيئًا ما. تتضارب الكلمات وتتناقض ولكن الزمن يثبت أن التناقض هو جزءٌ من الحياة، وجزءٌ منّا.

*****

"ثم، من قال إن عدم البكاء رجولة؟"
ستسمع يا ولدي من يسخر من رجالٍ يبكون. ستسمع من يستهزئ برجلٍ بكى لفقده شيء كان عزيزًا عليه، لشعوره بلحظة وهن وضعف شديدين لم يتحمّل فيها جموده المعتاد وإذا بالدموع تتساقط على خدّيه، وإذا به يجهش بالبكاء كالطفل الذي لم يعثر على أمه وسط طريق مُعبّد بالبشر. وإذا به يتوارى عن الأنظار مخافة أن يتّهمه الآخرون بالضعف وقلة الحيلة والاستسلام للدموع كطفل أو كامرأة. سيتساقط التماسك والقوة والشجاعة ويستقر كلُ شيء عند شفتيه ليبتلعهم وينسى أنه احتمل هذا كله طيلة حياته وجاءت لحظة انهيار الجبل الجليدي، وقتئذٍ فقط لن يوقفهُ أحد رغم كل الاستهزاءات والضحكات المكتومة.
دعهم يستهزءون يا ولدي. دعهم يسخرون من رجلٍ اختار أن يكسر مقولة كاذبة تدّعي أن عدم البكاء رجولة وقوة، أن الرجولة إن استسلمت لدموع الفقد انسحبت من جسد الرجل.
ابكِ على صدر من تُحب. ابكِ حتى تنهار كل قواك وينزلق كل ما أحسست به في يومٍ من الأيام، ليستقر عند صدر من تحب، ليحفظهُ لك عنده حتى تعود كما كنت من قبل. ابكِ حتى تعجز عن الحديث وعن النوم من كثرة الآلام ومن فرط الإرهاق في عينيك. اجزع ولا تخف من اتهامات وادّعاءات لن تفيدك فيمن فقدت وفيما فقدت. ابكِ حتى تجفّ عيناك وتبتلع شفتاك كل شعورٍ شعرت به مذ نفخ ربي وربك فيك من روحه.
لا بأس إن لم تمتلك نفسك بعدما ضاقت عليك الأرض بما رحبت. لا بأس في شيءٍ من السقوط، أو في جبلٍ من الحزن حتى تعود من جديد. حتى تعود بعد موتي من جديد.
فسأفقدك وتفقدني، ولكن الملتقى ليس ببعيد.

ابكِ يا ولدي.

وصية الحزن


on , , ,

3 comments


وصية الحزن


ولدي،
يومًا ما، وبدون سابق إنذار، ستحزن يا ولدي. ستحزن وستعجز عن الحديث عن سبب حزنك، وستعجز عن معرفة سبب حزنك أحيانًا كثيرة. سيظن الناس منك غرورًا أو غطرسة أو تكبُّر. دعهم يا ولدي، فالناس يتحدثون، وسيتحدثون إن قلت أم لم تتفوه بكلمة.
ستحزن لأيام، ربما لساعات فقط، وربما يمتدّ الحزن لليالٍ لا تنتهي فتنسى أنك حزين أو تتناسى فتنسى ثم تغضب وتتراكم داخلك الكلمات فتمتلئ بالجهل بأن السبب الأول لكل هذا يا ولدي هو حزنك.
ستتجاهله أحيانًا، ثم سيصحبك أحيانًا أخرى مطالبًا إياك بالجلوس معه والحديث عن طريقة تُحرركما معًا، أو تُطلقكما إلى مكانٍ آخر بعيد، كلٌ على حِده. اجلس يا ولدي وكأنك تخاطب شخصًا يحمل حنقًا لا متناهيًا تجاهك. اجلس وتحدث وتشاجر مع حزنك. ارهقه ودعهُ يرهقك. استنزفه بل واطلق له العنان لاستنزافك وابتلاعك. دعه يكسر كل فكرة من أفكارك بل ويمزقها قطعًا صغيرة فيضطرك إلى تجميع أفكارك المبعثرة، على الأرض التي ستمتلئ بالحزن، وإصلاحها مرة أخرى كما لو كانت قطعًا لصورة ما أو أحجية لن تبدو كما هي مع خطأٍ واحد فقط.
إياك أن تستسلم للمعركة أو تدفن حزنك في مكانٍ ما مع شخصٍ ما حتى وإن كان هذا الشخص صندوق تلقمه أسرارك وتنسى ما تحكيه له من فرط ثقتك.
احزن يا ولدي. احزن بأشد ما استطعت من الصخب ولا تترك هدوءً داخلك يدفعك للجنون قبل أن تستنزف كل ما بداخلك وتمتلئ بيقينٍ فيما بعد بعودتك إلى نفسك، عُد إلى هدوئك المعبأ بالطمأنينة. اسكن داخلك في سكون شديد.
ثم ربِّت على كتفيك وأنت مغمض العينين. وابتسم ابتسامة أخيرة.
ثم..


"افرح بأقصى ما استطعت من الهدوء، لأن موتًا طائشًا ضلّ الطريق إليكْ" 

وصية الهرب


on , ,

No comments

وصية الهرب


ولدي،
قد تتعجب من كتابتي لهذي الوصايا، واحدة تلو الأخرى بأسلوب فيه من الإسهاب ما قد يملأك بالضجر والملل. ولكن الكلمات تُنسى والأفعال تُنسى وحتى الوعود تُنسى وتقتلعها الحياة من جذورها.
أريد منك يا ولدي أن تهرب كلما عجزت روحك عن التعايش مع كآبة الدنيا، اهرب من كل شيء في شيء واحد. اهرب من الحزن والبغض وخيبة الأمل والخذلان. اهرب من الأفكار المخيفة والأحلام المؤرقة. اهرب من نفسك.
اهرب إلى كاتبك المفضل، إلى كتابك المفضل، إلى كلماتٍ لم تستطع كتابتها فكتبها لك شخصٌ آخر في مكانٍ آخر في هذا العالم. شخص قد لا تجمعك به الأقدار وقد لا تعرفه معرفة شخصية طالما حييت ولكن تربطك به صداقة افتراضية غريبة داخل كلماته وعباراته التي عرف بها أن يتقرب إليك بشكلٍ لم يتمكن منه أحد.
اقرأ الكلمات بعناية، واقرأ الصفحات بتأنٍ شديد كما لو كنت تتحدث مع نفسك لحلّ مشكلة ما. اقرأ يا ولدي حتى تنسى كما ينسى السكير أحزانه بالخمر. قرّب الكتاب من وجهك واسمح لنفسك بتنفس رائحة صفحاته التي لن يتمتع بعبيرها إلا من يغرق في الكلمات ويستمتع بهذا الإحساس بالابتلاع السحيق. اسمح للكتب أن تبتلعك لتدخل في كلماتها وتتقمص الشخصيات داخلها وتنسى من أنت أو تتناسى فتنسى كينونتك وأي وجهة أنت موليها.
عش شخصيتك المفضلة من رواية قريبة إلى قلبك، عشها في واقعك، خذ شيئًا من الخيال وافرضه على الواقع حتى يهيأ للعالم من حولك أنها شخصية حقيقية مدفونة في مكانٍ ما وقد قررتَ أنت إعادة إحيائها من تلقاء نفسك. اخدع الناس الخداع الجميل الذي ينسيهم الواقع أو يشتّتهم بين واقعٍ كئيب وخيال ساحر فيختاروا الخيال علّه يصبح واقعًا ينسيهم حزنًا ما أو يأخذ بأيديهم هربًا من عاصفة ما.
ثم انثر كلمات الكتاب في الاتجاهات الأربعة لترى كلماتٍ وصفحات في شرقك مع طلوع الشمس وترى فصلًا آخر من الرواية مع غروبها، ثم وأنت تسير في الطرقات التي لا تعرفها لتخفف من وطئة الغربة وتكون لك صاحبًا لا يملّ من أحاديثك اليومية.
اهرب يا ولدي من كلماتك إلى كلمات غيرك، فهي أفضل وسيلة للتخفيف عن هموم الدنيا، ولكن القلة، مع الأسف، يدركون هذا. فدعهم يستهزئون. دعهم يضحكون مما تعيش فيه من خيالات. ثم اتركهم في حيرة من واقع كئيب لا هروب منه.
فستضحك ويبكون.

ثم تقرأ مجددًا.