بداية الموت


on , , , ,

No comments


بداية الموت


فلنبدأ القصة من النهاية. من الوراء.
لنبدأ من الموت إذًا.
ذلك الشيء الغامض الذي نحاول اختراع جميع آلات الزمن من أجله، من أجل اكتشاف لغزه وحلّ طلاسمه. ونتعامل معه فقط كلغزٍ آخر من ألغاز الحياة التي يجب علينا اكتشافها، لا كشيء مبهم لن يُكتب لنا معرفته إلا إذا أخذَنا إليه بوعدٍ نقطعه بعدم العودة، شئنا أم أبيْنا.
لنبدأ القصة من الداخل. من تلك الآلام الحادة التي تتخلل الجسد المهترئ الهزيل الذي لا يقوى على قتالها ومقاومتها. يستسلم لها بملء إرادته وبدون إصرار. بسلام الأرض التي تخلو من الحياة.
ذلك الجسد الذي خانته الذاكرة ووهن العظم منه فعجز عن الحراك ثم سقط على فراش يشبه فراش الموت، ولكنه ليس فراش الموت بعد. هناك متّسع من الوقت ليصارع تلك الذاكرة. هناك بصيص من الأمل أن تأتيه لحظة من الماضي بكامل أبعادها وشخصياتها فيتسنّى له أن يبتسم ابتسامة أخيرة لن تكون جزءً من الحاضر، فقط فتاتًا من الماضي الذي سيكون هو الآخر جزءً منه قريبًا.
ذلك الجسد الذي اشتعل فيه الرأس شيبًا وهو يمضي ليبحث عن وجوه باتت في عداد النسيان. عن وجوه ملأت قلبه بالحياة في أحلك لحظات الموت. عن وجوهٍ كانت بها من كلمات عجزت البشرية عن تجميعها في قواميس لاستخدامها لمن هم في أمسّ الحاجة إليها مثله، لهؤلاء الذين سيحتاجونها ولن يشعر بهم أحد.
ثم لنذهبّ بالذاكرة إلى أبعد من ذلك بقليل. لنذهب إلى حيث تتّضح الرؤية قليلًا ويمكن للشفاه أن تتحرك لتقول كلمات معدودة كـ"كم هي قصيرة أعمارنا، وكم هو قاسٍ هذا الموت الذي دائمًا ما نظنّه بعيدًا خطوتين عنّا لنتظاهر بأننا قادرين على الاستعداد له، ولا يزال لدينا متّسع من الوقت لتصحيح أخطائنا".
لنذهب إلى حيث لا يزال لدينا متّسع من الوقت بينما نحن على غير وعيٍ به، إلى حيث تأتينا الفرصة وراء الأخرى ونتركها تكاسلًا أو تعمّدًا بينما تتردد "ليس الآن" على لساننا بشكلٍ اعتدناه حتى أصبحنا نلفظه تلقائيًا وبلا وعي منّا. فننسى فكرة الموت وننسى أن هدف الحياة ليس الحياة ولكن ما يتجاوزها.
ثم لننتقل إلى نقطة التحوّل في حياتنا. تلك النقطة التي تستقر عند لقاء الحبيب أو عند العثور على حلم يتكوّن في الواقع فيفضي علينا بسعادة لم نعهدها من قبل. فتتحول ألوان الحياة إلى درجات لم تكن موجودة من قبل أو لم تلحظها العين الحزينة والروح المعتمة. ويخيّل لنا أن شمس الصباح التي تخترق زجاج نوافذنا قد انقسمت وافترقت إلى شموس صغيرة تضيء جميع الأماكن المعتمة على هذه الأرض.
لنعُدْ بالزمن إلى الوراء أكثر. إلى أيام الشباب والرعونة. إلى حيث تكبر أمامنا الأحلام التي لا زالت صعبة المنال، وتتهالك الأفكار البسيطة الـ"ـعادية" وتُستبدل بأفكار مجنونة طائشة ولكنها مفعمة بالحياة. أفكار تصنع من صاحبها مخبولًا يريد أن يحتلّ العالم ليسيطر عليه بمعتقداتٍ يملؤها الفنّ، ذلك الفن الذي يصل بصاحبه إلى حافة الجنون.
وبعدُ فلنرتحل إلى عالمٍ مليء بألوان الطفولة. بكلمات ليس لها معنى ولكنها تحمل صدقًا ينساه العالم مع تقدّم العمر، ويتناساه الشيوخ إذ هرِموا وماتت لديهم معانٍ كثيرة لم تعُد تُشكّل الحياة. لننزلق من هذا الواقع المؤلم ونعود بالذاكرة إلى حيث تُسعفنا الذاكرة. إلى حيث نستمع إلى عبارات عفوية وبكاء أقسى أسبابه إضاعة لعبة الطفولة المفضلة.
لننسحِب من هذا العالم بهدوء الرضيع على صدر أمه، أو بهدوء الجنين في بطنها. لننسحب دون أن يشعر بنا أحد ودون أن تنهال الدموع على قبورنا. لنمضي في سلام قبل أن نزعج الأحياء الذين يصارعون حتى لا يرحلوا يوميًا معنا وهم يتنفسون نفس الهواء الذي تنفسناه ويمشون في الشوارع ذاتها التي مضينا فيها.
لننسحب كالأطفال على فراش الموتى. لننسلّ إلى ذلك العالم الآخر أطفالًا في أجساد شيوخ.
ولكن لنترك قليلًا من الذاكرة لهذا العالم الكئيب.

لنترك قصة تنتهي من مستهلّها.

Leave a Reply

Just say it.