طمس الحقيقة


on , , , ,

No comments

طمس الحقيقة

أحببت ذلك الوقت من اليوم، من الصباح. ساعة ما بعد موت يومٍ وحياةُ يومٍ آخر. يومٌ جديد لم تتّضح معالِمهُ بعد. اعتدتُ دائمًا أن أرقُب تلك البداية، كيف ينزوي ظلامٌ حالك ويبهت لونُ السماء ثم يصير شاحبًا حتى يتلاشى بالكامل، فيظهر بين ذلك الشحوب وبزوغ الشمس لونٌ ثالث. تحسّ أنك في عالمٍ موازٍ للحظة، ثم تعود إلى الواقع.
توّد أن تظل هناك حتى وقتٍ غير معلوم، كما لو كنتَ بين الموت والحياة، لأنه التوقيت الوحيد الذي تُصنع فيه القرارات المصيرية التي تُغيّر مجرى كونك وكينونتك.
جلست هناك، على تلك الصخرة حيث يمكنني رؤية أشعة الشمس لحظة بزوغها وحيث أستطيع أن أسحب نفسي من أي عالمٍ أنا فيه وأذهب إلى عالمٍ آخر بملء إرادتي. عالمٌ انتظرت لحظة إعادة إحيائي فيه منذ زمن.
وبدأت أكتب..
كتبتُك في أول الصفحة عُنوانًا بخط النسخ. ثم توقّفت.
مسحتُ ما كتبته. ترددت لحظة ثم مزّقت الورقة ووضعتها بجانبي. بدأتُ من جديد.
كتبتُك لا اسمًا ولكن حرفًا بخطٍ عشوائي في منتصف أعلى الصفحة. عين.
ثم من أول السطر،
"هذه ليست قصة داخل قصة، فكّر ما شئت، المهم أن تترك للواقع شيئًا ما، فلكل قصة مساحة في الواقع كمساحتها في الخيال.
اخترت أن أضعك في كلماتٍ لأن الذاكرة قد لا تسعف مع الوقت، ولأن العُمر قد يُنسي والقلبُ قد ينسى ولكنّ شيئًا ما لا ينكسر. ذلك الشعور بأن الراحلين موجودون في مكانٍ ما على هذه الأرض، في هذه المدينة أو في مدنٍ أخرى لا تعلم لها اسمًا ولا تدرك لها مكانًا على الخارطة.
أردتُ أن أكتُبك حتى تمكث قليلًا في مكانٍ ما، لأنك دائم الترحال حتى وأنت هُنا.
كتبتُك بألوانٍ كثيرة. وبأشعارٍ ليس لها عدد. كتبتُك من أول القصة، قصّتنا. وعرفتُ أن من يقرأها سيظنّ أنها قصة حبٍ لم تتكرر من قبل. ثم مزّقتُ كل شيء وبدأتُ من جديد، لعلمي أن الناس لا يدركون من الحب إلا ما بين رجلٍ وامرأة. نسوا أن الحُب لا يُحدّد بإطار كهذا. نسوا فمزّقتُ أنا أوراقي لأذكرهم.
ينسى الناس فيذكرهم من ينسون أيضًا، من يكتبون لكي لا تخدعهم الذاكرة. مثلي
كتبتُك كما لو كنتَ ذلك الليل الحالك، ذلك الظلام الذي يجب أن يظهر  بعد تلاشي أشعة الشمس وظهور ليلة قمرية بها القليل من السُحب التي تترنّح بجانب ضوء القمر. ثُم رأيتُك في كلماتي يزداد اللون فيك قتامة ويزداد الألم حِدّة فتوقّفت.
لم أجرؤ على الاستمرار وأنت تزداد حُزنًا في قصتي.
ولكنني آمنتُ أن للطريق نهاية. فعُدت إلى حبري الأسود لأُكمِل ما بدأته.
أتردد كثيرًا ثم أعود. أكتُبك بلونٍ آخر لعلّ الليل يتحوّل إلى نهار، أو إلى شفقٍ برتقالي اللون مائلٌ إلى الحياة. أغيّر القلم على أملٍ لا جدوى منه أن يتغيّر  لونُك مع كتابتي. إلا أنك تظلّ كما أنت. تظلّ كما عرفتك وجهًا لوجه. لك شخصية حادّة صارمة لا يغيّرها لا لون قلم ولا قصّة خيالية ذات أبعاد تلاشت في الواقع.
فاستسلمت لك في قصّتي. تركتُ كلّ شيء في واقعي واختبأتُ بين كلماتي لأصل إليك كما أنت. ولأتخلص من هذا العالم الواقعي وأمكث في قصة قد لا تنتهي أبدًا. لا لأنني أريد العيش للأبد، ولكن لأنني أريد الموت في قصة. ميتة غير عادية، غير واقعية. ميتة تقتل بغموضها.
تركت حبري وقلمي وغرقت داخل أوراقي. تركت كلّ شيء لتحرّكه الرياح. وتبدأ قصتنا من جديد من حيث لا أدري.
لتكتبها أنت بألوانك، وأنسى أنا من أنا."


Leave a Reply

Just say it.