وتمضي


on , ,

No comments

وتمضي


أسوأ ما في الحياة أنها تمضي، دون إذنٍ منّا ولا سابق إنذار ودون أية استجابة لنداءات من يريدون أن يقبعوا في "الآن" ويتركوا كل ما وراءهم وما أمامهم بعد أن حصلوا أخيرًا على ما يعطيهم أحلامًا سعيدة عند نومهم وأحلام يقظة هيّنة سهلة المنال. ولكنها لا تكترث لمكوثنا ولا تستأذن أحدًا.
تنهض وبكل شجاعة وجرأة وتضرب بأحلامنا عرض الحائط، وتمسح كلمات شعرائنا وكُتّابنا وحالمينا مستعينة في كل هذا بشمسٍ في عنان السماء لا يطولها أحد، ترمي بأشعتها نهارًا وتترك المتفائلين ليلًا لينسحبوا في هدوء شديد إلى نهاية يومٍ سعيد، ويواجهوا ظُلمة ليلٍ تُسمع فيه أصوات الحزانا داخلهم وفي الشوارع الخلفية عند بيوتهم، وتطول المباني والمنازل فلا يوجد أسطح يهرب إليها أحد ليبحثوا عن نجوم السماء. ومن قال لك إن مدينتنا سمحت للنجوم بالظهور ليلًا أصلًا؟
في مدينتنا يظهر القمر بعد عناءٍ وأحيانًا كثيرة يكون قريبًا مخيفًا وله لونٌ كما لو كان به إعياء شديد، لونٌ مائلٌ إلى البرتقالي تمامًا كلون الشفق قبل رحيل الشمس، قمرٌ أضفت عليه مدينتنا طابعًا حزينًا حزنًا غير متناهٍ بعد أن أخفت من حوله وتركته مركز اهتمام أحزان الجميع وأطلال كل من كانوا هنا. وأحيانًا عندما يظهر بلونٍ صافٍ من الحزن يكون بعيدًا شديد البُعد وكأن المسافة بيننا كلما زادت كلما اجتمعت الهموم في هذه المساحة السحيقة الخالية في الفضاء.
وتعود لنا أحزاننا في اليوم التالي كأن القمر يسلم الأحزان للشمس فتتخلل أشعتها أرواحنا ولا يُترك لنا إلا ضوءٌ باهت والكثير الكثير من الأفكار المفرطة، وكم هو محظوظ من ينجو من هذا ببعض التفاؤل وبابتسامة تشفي كل هذه التفاصيل المميتة.
فلا يبقى لدينا إلا انتظار كلمات تريحنا أو عبارات تقول لن إننا لسنا وحيدين وليست هذه هي نهاية العالم وأن لكل ما هو جميلٌ نهاية حتمية لا مفر منها، فيهدأ ما بداخلنا لوقتٍ قصير ثم تمضي الحياة مرة أخرى. وتظل تمضي ونظل ننتظر ما يريحنا حتى يبدو أننا تعيش حياةً مؤجّلة ومُسوّفة لا طعم لها.
ننتظر دائمًا شيئًا ما لا ندري ما هو ولا ندري من أين سيأتي، وننتظر من ينقذنا من أنفسنا ولا ننقذ أحدًا من نفسه ولكننا لا نعدّها أنانية لأننا أحقّ منهم بالانقاذ ولأننا دائمًا نعاني أكثر من معاناتهم، ولأننا نتحدث عن ما بداخلنا.
ولكننا لا ندرك أن أكثر من يفضّلون الصمت هم على الأغلب أكثر من يكابدون.
ولكننا لا نزال أحق منهم ولا نعلم سببًا لأي من هذا استحقاق.

Leave a Reply

Just say it.